আল-মানতিক
المنطق
فلنترك لفظة الشجاع، ولننظر في معنى جيد النفس؛ فإنا إذا فهمنا المعنى، فلا حاجة بنا إلى استعمل لفظة الشجاع، بل لنستعمل القول كما هو؛ أن نأخذ شيئا آخر يطابق جيد النفس فقط، من غير زيادة معنى. فإن لفظة الشجاع توهم شيئا آخر زائدا على أنه جيد النفس فقط، وفي تلك الزيادة تغيير الحكم؛ كما أن الحسن الرجاء يدلك على معنى حسن الرجاء فقط. وأما لفظ الشجاع فإن له زيادة دلالة على ذلك. فلنترك أنه شجاع، ولنأخذ حسن الرجاء. وكذلك الجيد البخت الذي استمرت له غلبات؛ ومعناه مفهوم؛ والشجاع يشير إلى معنى آخر. فلنترك الشجاع، ولنجعل الكلام في جيد البخت. وهذا الموضع نافع في منع التلبيس وسرعة الكشف. وكأن الانتفاع به في التعليم ليس دون الانتفاع به في الجدل.
وموضع آخر ليس يعتبر فيه الوجود، بل حال الوجود؛ وذلك أن الشيء كونه موجودا للموضوع غير كونه له دائما، وأكثريا أو أقليا؛ وغير كونه له كله أو لبعضه، وغير كونه له بالقياس إلى كذا دون القياس إلى كذا. وليس إذا سلم وجود؛ فقد سلم من كل وجه. فيجب أن تراعى في ذلك أن لا تأخذ أحد الحكمين مكان الآخر، وأن لا تقنع بمطلق غير مبين، بل تطالب القائل المهمل المجمل بالبيان والتفصيل.
وأيضا مما يشبه هذا الموضع أن يجعل الشيء آخر لأجل اسمه. فيقال كما قال بعضهم: إن من اللذات ما هو فرح، ومنه سرور، ومنه جذل. وهذه كلها ألفاظ مترادفة. فيجب أن تستكشف أمثال هذه أيضا.
وهاهنا مواضع خارجة مأخوذة من المتقابلات، ومن أحوال الابتداء والانتهاء، ومن الإشتقاقات، وغير ذلك؛ فكأنها تنفع بحسب القياسات الاستثنائية المتصلة. أما الذي من المتقابلات الضدية فطريقه منها أن يؤخذ متقابلان ضدان ومتقابلان ضدان آخران كذلك، فيؤلف على الأنحاء التي نذكرها، ويجعل منها مقدم وتال.
فليكن تقابل هو تقابل الأصدقاء والأعداء، والآخر تقابل هو تقابل الإساءة والإحسان. ثم تكون التأليفات منها انه: إن كان الإحسان إلى الأصدقاء جائزا، فالإساءة إلى الأعداء جائز. ومنها أنه إن كان الإساءة إلى الأصدقاء قبيحة؛ فلإحسان إلى الأصدقاء جميل. ومنها: إن كان الإحسان إلى الصديق حسنا، فالإساءة إلى الصديق قبيح، وبالعكس. ومنها إن كانت الإساءة إلى الأعداء جميلة، فلإحسان إلى العداء قبيح، وبالعكس. فتكون هذه كلها مواضع تقبل وتحمد، وليست كلها واجبة.
أما الأول، فإنه ليس إذا كان أمر موجود لكل الضد يجب أن يكون ضده موجودا للضد؛ بل يجوز أن تكون الحركة الطبيعية مخالطة لكل حرارة ولكل برودة.
وأما البواقي مما ذكر، فهي بالحقيقة من ثلاث متقابلات: كالإساءة والإحسان، والقبيح والجميل، والصديق والعدو. ثم يؤخذ من إحدى الثلاث طرف، ومن الباقيتين جميعا؛ فيؤخذ مثلا من الصديق والعدو الصديق؛ ثم يؤخذ إساءة وإحسان، وقبيح وجميل، فيقال: إن كانت الإساءة إلى الأصدقاء قبيحا، فالإحسان إليهم جميل، وعلى قياس ذلك.
وهذه أيضا ليست برهانية، فليس يجب إذا كان للشيء عند الشيء حكم أن يكون لضده عنده ضد ذلك الحكم. فإنه ليس إذا كان النور يسود شيئا، أن تكون الظلمة تبيضه أو تقابله لا محالة، بل كلها مشهورات تسلم، ولا يشعر بعنادها بأدنى النظر، إلا أن يطلب لها معاند وما كان له مناقضة وعناد، ثم لم يكن ظاهر المناقضة والعناد، فليس يجب أن يكون باطل الشهرة؛ كما قد عرفناك مرارا.
وقد يؤخذ من الأضداد مواضع أخر، وهو أن ينظر في مقابل المحمول، فإن صح إنه موجود في الموضوع، فذلك غير موجود. لكن هذا الموضع في قوة الموضع المتقدم المذكور، ولكنه قد يمكن لأن يؤخذ هذا الموضع على وجه غير مكرر. وذلك أن لا يطلب مقابل الموضوع، بل ينظر أنه هل يلزم من وجود المحمول في الموضوع أن توجد الأضداد معا، وذلك محال؛ فوجود المحمول للموضوع محال.
وهذا جزئي موضوع آخر سلف باعتبار أخص من الموضع المتقدم المذكور. والموضعان يتباينان بما أقوله: وهو أن الموضع المتقدم كان على أن اللازم يكون محالا، أي محال كان؛ ويوجب أن الملزوم محال.
وأما هاهنا فالمحال المأخوذ فيه ليس مطلقا، بل محال بصفة، وهو جمع الضدين.
ومثال هذا أن القائلين بالصور المفارقة للأمور يقولون: إنها مع أنها مفارقة، قد توجد متوسطة في المحسوسات، فتكون مفارقة وموجودة معا، ويلزمهم أن يجعلوها متحركة منتقلة، ومستحيلة فيها الحركة ثابتة معا.
أما ازوم كونها بحيث تستحيل فيها الحركة، فلأنهم يجعلونها مفارقة، ويعرفون أن المفارق يجب له الثبات، ويستحيل فيها الحركة ولو بالعرض.
পৃষ্ঠা ৭৩