আল-মানতিক
المنطق
وليست المواضع كلها مأخوذة من نفس الحدين، بل قد تؤخذ من أمور خارجة؛ فإنه قد تؤخذ من أمور تلزم المطلوب، أو المطلوب يلزمها، فتطلب أي أمور هي التي إذا وضعت يلزم منها المطلوب، فتطلبها وتصححها، ويكون ذلك نافعا في الإثبات للمطلوب فقط كما هو؛ كان موجبا أو سالبا، بأن تستثني عين المقدم. وأيضا تطلب أي الأمور تلزم المطلوب؛ إذا وضع. وهذا يكون نافعا في إبطال المطلوب فقط، باستثناء نقيض التالي. وهذان موضعان يشارك الجدل فيهما البرهان.
وقد ينتفع من الأمور الخارجة باعتبار الزمان، هل يختلف فيه حد المطلوب، مثل من يقول: إن كل مغتذ نام، ثم يجد الحيوان الواقف في السن والمنحط يغتذى في ذلك الزمان، ولا ينمي. وكذلك ليس التذكر تعلما، لأن التذكر تحصيل علم أو معرفة، إن كان المعلوم بهما زمانيا، كانا فيما مضى. وأما التعلم فهو تحصيل علم في المستقبل قد يكون إن كان معلومه زمانيا علما بشيء مستقبل، كالكسوف المنتظر. وهذا أيضا يشترك فيه الجدلي والبرهاني؛ وينفع في الإبطال دون الإثبات؛ إذ كل ما اختلف زمانه فهو مختلف، وليس كل ما اتفق زمانه فهو متفق. فهذا الموضع من جملة المواضع الخارجة عن حدي المطلوب.
وكثيرا ما يقع الانتقال عن الكلام في الشيء إلى الكلام في أمور خارجة هي ملزوماته أو لوازمه، تكون إذا صحت أم بطلت انتقل منا إلى الحكم في الشيء. فربما كان ذلك الانتقال ضروريا في الحقيقة، حيث يكون القياس المنتقل إليه، والاستقراء المنتقل إليه، لتصحيح حال لازم أو ملزوم، أو إبانة صدق الاستثناءات فيه، ضروريا في الحقيقة. وربما كانا ضروريين في ظاهر المر، وفي المشهور؛ وكلاهما مقبول في الجدل. والأول يدخل في البرهان، لكنه كثيرا ما ينتقل إلى ما ليس له تعلق بالمطلوب انتقالا على سبيل إيهام أن المنتقل إليه مما تتضح به حال المحمول إشفاقا من ظهور الانقطاع، وشغلا للمدة بالكلام، وتوقعا لقاطع من العوارض بترك الأمر معطى، أو استقداحا للخاطر الأنكد؛ وذلك مغالطة.
ومن حق المجيب البصير أن يتقدم بتعجيل التسليم لئلا يطول إمهاله، ويصرح له أن ذلك وإن سلم لك لا ينتج مطلوبك، فتتضاعف بذلك الفضيحة. وهذا المأخذ مغالطي صرف.
بل يجب أن يكون الانتقال إلى اللوازم والملزومات التي بينها وبين المطلوب علاقة حقيقية أو مشهورة محدودة مقبولة في الظاهر. وكل شيء يقال فله لوازم كثيرة. وتوجد له ملزومات، كما توجد موضوعات ومحمولات. فإن كل من قال شيئا بالفعل، فيشبه أن يكون قال أشياء بالقوة. وأنت تعلم كيف ينفع اعتبار اللوازم والملزومات في الإبطال والإثبات، من علمك بالشرطيات الاستثنائية.
ومن المواضع الخارجة ما ليس على سبيل اللزوم، بل على سبيل العناد والمقابلة، سواء أخذ مما من شأنه أن يتعاقب على موضوع واحد كالصحة والمرض، أو أخذ من المتباعدات، وإن انتسب آخر الأمر إلى مبدأ؛ كقولهم: إنه إما أن تكون الشمس طالعة، أو يكون الليل موجودا. فإن الإتيان بهذه المعاندات قد ينفع أيضا بطريق الاستثناء في الإثبات والإبطال، كما علمت؛ وهذه يشترك فيها الجدل والبرهان.
ومن جملة اعتبار الأمور الخارجة، نقل الاسم وتبديله؛ فربما نفع في البيان، وخصوصا إذا كان الاسم ليس بحسب الذات، بل بحسب الصفة. فيجب أن تأخذ المعنى نفسه، وتلحظه في ذاته، وتقصر الاسم عليه؛ فغن تعدت دلالة الاسم إلى ما هو مباين للمعنى بوجه من الوجوه، بأنه أنقص منه، أو أزيد عليه، أو هو بشرط، دل عليه وعرف. وهذا كما يأخذ أحد الشجاع وجيد النفس على ان المفهوم منهما واحد، أو على أن جيد النفس هو قول بحسب اسم الشجاع، وعلى أن الكلام فيهما واحد. ثم يتأدى به الإمعان في النظر إلى الاشتغال بأحدهما من حيث له زيادة اعتبار. فيجب أن يقال للقايس حينئذ: إن النفس يفهم منه معنى جيد النفس وحده، فهما بلا لبس.
পৃষ্ঠা ৭২