আল-মানতিক
المنطق
واعلم أن وجود الغاية ووجود الصورة يلزم من كل واحد منهما وجود المعلول لا محالة. فالصورة مع المعلول في الزمان، والغاية قد تكون بعده في الزمان. ووكلاهما أقدم بالعلية. وأما المادة ففي كثير من الأمور الطبيعية يلومها الصورة بالضرورة ويوجد بوجودها المعلول والغاية لا محالة. والضرورة لا تمنع الغاية : فإن كثيرا من الأمور الطبيعية يكون بالضرورة والغاية معا، مثل أن المادة التي خلقت منها الأسنان الطواحين عريضة، إذا حصلت بتمام الاستعداد يلزمها الصورة ضرورة. ومع ذلك فإن خلقة عرضها لتمام وغاية، وهو طحن الطعام، كما أن خلقة حدة الأنياب لتمام وغاية، وهو قطع الطعام. والمثل الذي ضربه المعلم الأول لهذا أنه إذا سئل فقيل لم ينفذ ضوء السراج في المجاري التي هي أوسع، إن كان ينفذ؟ فيمكن أن يجاب من جانب الضرورة العنصرية فيقال للطف الأجزاء ، ويمكن أن يجاب من جانب العلة التمامية فيقال لئلا نتعثر فيه ونزلق. وكذلك إذا سئل فقيل لم يحدث الصوت في السحاب؟ فيجاب تارة فيقال لضرورة الانطفاء، ويجاب تارة فيقال لتهديد أصحاب الهاوية على ما يقوله فيثاغورس في أمثاله. وليست هذه الضرورة ضرورة قسر بل ضرورة طبع. وفي كثير من المواد لا يلزم عند حصول الاستعداد أن يحصل التمام، لأن تمام تلك المادة يحصل بحركة من علة محركة، وكل حركة تقع في زمان وفي آخره ما ينتهي إلى الصورة. كذلك في الأمور الصناعية، فإنها لا يلزم فيها وجود الصورة أيضا لوجود العنصر وحده؛ لأن العنصر في كل موضع لا ينساق إلى الصورة إلا بعلة فاعلة. فإن كانت العلة فاعلة غريبة ومن خارج، فربما وردت على العنصر وربما لم ترد. وإن كانت العلة طبيعية وموجودة في جوهر الشيء، وكانت مما يفعل بالتسخير وبالذات لأنها قوة طبيعية، لم يمكن ألا يصدر عنها فعلها إذا حدث الاستعداد التام ولاقته.
واعلم أن من قبيل العلة التي هي مبدأ حركة ما ليس يجب من وضعه مع وضع القابل وضع المعلول، ومنها ما يجب من وضعه مع وضع القابل وضع المعلول. فإن جميع القوى الطبيعية إذا لاقت المنفعلة وجب الفعل. والقوى الصناعية والإرادية والشوقية وما أشبه ذلك، ليس يجب من اجتماعها مع القوة المنفعلة فعل وانفعال. وهذه العلل، وإن كان يخالطها ضرورة، فهي بفعل الغاية لا بالاتفاق.
واعلم إنه كلما وضع المعلول بالفعل فقد وضعت الأسباب كلها. لكن الغاية ربما كانت - من حيث هي في الأعيان - موجودة بالقوة كالاضطجاع مع وجود الفراش.
واعلم أن السبب إذا لم يكن سببا بذاته ومطلقا، ولكن إنما يصير سببا بشروط مقارنة، أو كان بعيدا، فتأديته وحده في جواب لم كان الشيء، لا تكون تأدية سبب، ويكون قد بقي للم مكان حتى يبلغ الغاية في ذكر الشروط ويصير بها لذاته سببا، وحتى يبلغ السبب القريب.
واعلم أن كثيرا من العلل التي وجود ذواتها لا يكفيها في أن تكون عللا، فقد يقترن بها اشتراط فيوجب أن تكون العلة بالقوة فيها علة بالفعل، مثل كون قوة الأفيون مبردة : فإن ذلك ليس دائما ولكن إذا اتفق أن انفعل الأفيون من الحرارة الغريزية التي للإنسان.
فبين من هذا أن البرهان إنما يكون برهانا تاما إذا أعطى العلة القريبة الخاصة التي بالذات وبالفعل.
والحد التام هو الذي يشتمل على مثل هذه العلل فيما له علة الماهية، فيوردها بتمامها لا يحل منها شيئا إن كانت ذاتية. فإنه قد قلنا فما سلف إن الغرض في التحديد ليس التمييز بالذاتيات المساوية للمحدود في المعاكسة، بل والمساوية له في المعنى حتى لا يكون شيء من المعاني )117 أ( الذاتية للمحدود إلا وقد تضمنه الحد واشتمل عليه. فإن أخل بشيء من ذلك اقتصارا على التمييز فما دل على ماهيته، لأن ماهيته ليست ببعض مقوماته وبعض ذاتياته، بل هو باجتماع جميع معانية الذاتية فمن عرف بعضها ولم يعرف البعض فما عرف ذاته بالتمام. والغرض من التحديد في النفس صورة موازية لماهية الشيء بكمالها. ولهذا السبب لا يكون لشيء واحد حدان، كما لا يكون لشيء واحد ذاتان. فإذا كان كذلك، وكان في المحدودات ما إضافته إلى جميع العلل ذاتية، وجب أن تؤخذ كلها في حده. إلا أن هذه العلل يجب أن تكون في حيز فصوله لا في حيز جنسه : لأن هذه العلل علل لشيء لا محالة، ووجود ذلك الشيء يقتضي وجودها، وبها يتحقق ويتحصل ويتخصص. فتكون أمثال هذه العلل المحصلة للذات فيما له وجود محصل مخصص، ووجود منتشر غير مخصص، مخصصة لأمر حتى تجعله محصلا. ويكون ذلك الأمر مخصصا بها. فذلك الأمر جنسي والعلل فصلية. كقولك صوت من طفوء النار : فالصوت جنس، ومن طفوء النار فصل،إن كان كل رعد هكذا.
أما أمثلة الحدود المتحدة من العلل المختلفة، فأنت تحد الزاوية القائمة بالصورة فقط فتقول : المساوية لأخرى في جنب خطها على مستقيم. وتحد حمى الغب بالفاعل فتقول : حمى تئوب غبا لعفونة الصفراء. وتحد الخاتم بالغاية فتقول : الخاتم حلقة يلبسها إصبع. وتحد الفطوسة بالموضوع فتقول : تقعير في الأنف. وربما جمعت الجميع في واحد فقلت : إن السيف آلة صناعية أو سلاح صناعي من حديد مطاول معرض محدد الأطراف ليقطع به أعضاء الحيوان عند القتال.
পৃষ্ঠা ১৪