عقود العقيان
فهم ثقال على أكثافها ميل ذكر الله تعالى حكم هؤلاء الذين يقذفون العفائف، فقال تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات} أي يسبوهن بالزنا، وسمي السب؛ لأنه يعمل ما يعمل الرمي من جرح الفؤاد، والمرمي يجرح الجسم، ولهذا قال الشاعر:
وكلم السيف .......فيبرأ
وكلم الدهر ما جرح اللسان
{فإذ لم يأتوا بالشهداء} الشهداء من حقهم أن يكونوا عدولا عاقلين أبصارهم صحيحة يشهدون على فعل واحد في مكان واحد بإيلاج واحد فرج في فرج، وهل يشهدون مجتمين أو مفترقين، فيه خلاف والذي أراه أن يفرقهم أولا والوجه في ذلك أن تفرقهم ينكشف للحاكم صحة شهادتهم أو بطلانها، وقد روي ذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام فإن لم يأتوا بالشهداء يشهدون عما صدق ما رمورهم به من الزنا، وجب على الرامي أن يجلد ثمانين جلدة ولا يجلد الا في وقت الإمام إذا وقع في ولايته، ويجب أن يكون الشوط الذي يجلد به وسطا بين الرقيق والغليظ، وأحكامه في كتب الفقه، ولا يقبلوا لهم شهادة أبدا لكونهم ساقطي العدالة، ثم قال تعالى: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا عن قذف من قذفوه، وعلى فعلهم وعزموا أن لا يعودوا، واصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين من قذفوه بأن ... إليه مستغفرين لله معتذرين إلى من قذفوه فإن الله غفور كثير المغفرة، وأتى به على طريق المبالغة؛ لأن فعولا وأخواتها من أوزان المبالغة، وإن اختلف في باب فعول، وفعيل أنهما أبلغ فأتى به وترحيم من النوع إذ هو عز وجل يعفو ويصفح مرة بعد أخرى.
صفحة ٣٩٧