فقد دلت هذه الأحاديث على أنه يحرم على المحرم الانتفاع بالصيد بكل حال، وإن كان الذي صاده حلال.
وقد رد هذا الاستدلال: بأنه ليس في هذه الأحاديث ما يدل على السبب الذي رد به رسول الله ﷺ ذلك الصيد. وإنما ذكر فيها أنه أهدي لرسول الله ﷺ لحم صيد فرده، وعليه فإن سبب رده قد يكون أن ذلك الصيد صاده الصحابي الحلال لأجل الرسول ﷺ المحرم، فلزم رده. ولو أن ذلك الصحابي الحلال لم يصده لأجل الرسول ﷺ لصح قبوله. وقد بين ذلك حديث جابر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: " صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم " (^١) فوجب الأخذ بجميع هذه الأحاديث الصحيحة، وتوجيه كل واحد منها إلى المعنى الصحيح الذي يتفق به مع الأحاديث الأخرى، دون المعنى الذي يتعارض به مع أي حديث صحيح. (^٢)
القول الثاني: أن المراد بالآية هو: تحريم انتفاع المحرم بالصيد الذي يصيده المحرم دون الصيد الذي يصيده الحلال.
- وهذا قول: عمر بن الخطاب - وعثمان بن عفان - وأبي هريرة - والزبير بن العوام - وطلحة بن عبيد الله - وأبي قتادة - وجابر بن عبد الله ﵃. وإليه ذهب: جمهور الفقهاء. (^٣)
- ومن أدلة هذا القول:
(^١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب لحم الصيد للمحرم - (ح ١٨٥١ - ٢/ ٤٢٧).
والترمذي في سننه - كتاب الحج - باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم (ح ٨٤٦ - ٤/ ٧٤).
(^٢) انظر: تفسير الطبري (٥/ ٧٦) - وتفسير الشنقيطي (١/ ٣٢٥).
(^٣) انظر: تفسير الطبري (٥/ ٧٣) - وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ٦٧٥) - ومختصر تفسير المنار (٢/ ٣٩٧).