شرح طلعة الشمس على الألفية
يقال: أشرقت الشمس وشرقت: إذا طلعت، وفرق بعضهم بين الإشرق والشروق، فخص الشروق بالطلوع، والإشراق بانتشار الضوء، فالإشراق عندهم ظهور ضوء الشمس، استعارة هنا لتمام هذا النظام، ورشح الاستعارة بذكر السماء وشمس الأصول علم على هذه المنظومة، سمتها بذلك لتوضيحها قواعد الأصول، فكما أن الشمس الذي هو الكوكب المضيء نهارا ينكشف به كل ظلمة، ويظهر كل خفي عن الأبصار، كذلك هذه المنظومة ينكشف بها للعقول كلما كان مختفيا عنها، ملما كانت معانيها قد لا يفهمها الضعيف، وإن كانت واضحة لأهل الأبصار؛ احتجنا إلى تبيينها إعانة للسالكين، فوضعت عليها هذا الشرح، وسمته بطلعة الشمس، ووجه المناسبة في ذلك ظاهر، وهو أن الأبصار لا تدرك هذا الكوكب إلا بعد طلوعه، فشبهنا هذا الشرح بذلك الطلوع؛ لأن معاني هذا النظم لا تدركه غالب البصائر إلا بالشرح، والتحقيق إثبات المسألة بدليلها والتكلم بالحق، والوجه الثاني هاهنا أظهر، والإظهار نقيض الإخفاء، والإبهام هو الإخفاء، والمعنى أن هذا النظم المسمى بشمس الأصول قد تم ملتبسا بالتحقيق، ومبينا ما كان من قبله مختفيا، والله أعلم، ثم قال:
وأبرزت مخدرات الفن ... في قالب النظم البديع الحسن
يقال: أبرزت الشيء: إذا أخرجته من مكان مستتر إلى مكان منكشف، والمخدرات: النساء المقيمات في الخدور، وهو الحجاب المضروب عليهن، والمراد به هاهنا المسائل المستترة، وهي قواعد الأصول. والفن: بمعنى النوع، والمراد به هنا أصول الفقه، وقد كثر إطلاقهم اسم الفن على العلم، فيقولون فن الأصول وفن الفقه وفن الكلام إلى غير ذلك، ويسمون الجميع فنون العلم. والقالب: آلة قانونية يعرف بها مقادير الأشياء المنطبعة، كالذهب والفضة والحديد والرصاص، بحيث يصب فيها ذلك الشيء، فتخرج على الحالة المقدرة المعلومة، شبه النظم به؛ لأن النظم آلة قانونية أيضا، يعرف بها أوزان الشعر على جهة مخصوصة. والبديع: الحسن، وفي إضافته إلى الحسن مبالغة ظاهرة، والمعنى أن هذه المنظومة أبرزت المستتر من قواعد الأصول في النظم الحسن، الذي هو كالقالب للأشياء، والله أعلم، ثم قال:
وبينت عجاب هذا العلم ... ولينت صعابه للفهم
صفحة ٣٠٤