شرح طلعة الشمس على الألفية
اختلفوا في إمكان خلو الزمان من مجتهد يرجع إليه عند الحادثة، فقيل: جائز أن يخلو الزمان من المجتهد، واختاره البدر، وهو الصحيح، وأظن أنه مذهب الجمهور، وقيل: لا يجوز خلوه من مجتهد، ونسب هذا القول إلى الجبائي والحنابلة، وقال ابن دقيق العيد: "لا يجوز خلو الزمان من المجتهد ما لم يتداع الزمان بتزلزل القواعد، فإن تداعى بأن أتت أشراط الساعة الكبرى، كطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك جاز الخلو عنه"، والمنع من خلوه مطلقا هو مقتضى مذهب من منع تقليد الميت؛ لأنه إذا منع من تقليد الميت؛ وجب أن يكون في كل زمان مجتهد يجوز للناس أخذ دينهم عنه، لقوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } (النحل: 7)، ولا يأمرنا تعالى أن نسأل غير موجود، والتكليف بذلك مما لا يطاق، فلزم وجود المجتهد في كل زمان، ونحن لا نمنع من تقليد الميت بل نجوزه، فلذا نجوز خلو خلو الزمان من المجتهد.
اعلم أنهم اختلفوا في جواز تقليد الميت على ثلاثة مذاهب: قيل: بجوازه مطلقا، وقيل: بمنعه مطلقا، وقيل: إن أفتاه في حياته بقي على تقليده فيما كان قد أفتاه به، وإن مات ولم يسمع الفتوى منه في حياته، وإنما نقلت إليه بعد موته؛ فلا يجوز له تقليده حينئذ، إذ لا يعقل تقليده من قد سقط عنه التكليف بالموت، قالوا: وهل هو إلا كأن يلتزم رجل تقليد رجل ذاهب العقل في الحال مجنونا لا تكليف عليه، فيقول: قد التزمت مذهب هذا المجنون فيما كان اجتهده قبل جنونه، أو كمن يلتزم مذهب رجل قد كفر بعد اجتهاده أو فسق وكان عدلا عند الاجتهاد، قالوا: وتقليد المجنون والكافر والفاسق لا يجوز بالإجماع، فكذلك الميت؛ لأنه مساو لهم. ورد: بأنه إن صح الإجماع على منع ابتداء تقليدهم حال الجنون والكفر والفسوق فيما كانوا قد اجتهدوا فيه، فلعله لمانع آخر، وهو لحوق التهمة لهم فيما سبق من اجتهادهم، وتجويز صدورها عن مثل الأحوال التي هم عليها في الحال، قيل: وتقليد الحي أولى لوجهين: أحدهما أنه مجمع على صحته إلا من منع التقليد في الفروع، بخلاف الميت، وثانيهما: أن الحي نعلم استمراره على القول بذلك الاجتهاد، والميت لا نأمن أنه لو كان حيا ترجح له خلاف ما قد قال به، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان الركن الثاني من ركني الاجتهاد، وهو محل الاجتهاد، فقال:
أما محل الاجتهاد فهو ما ... لم يكن الإله حكما
ولم يرد فيه عن الرسول ... ولا عن الإجماع في المنقول
فإنه مثل ذي القضية ... ثم اجتهاد علماء الأمة
صفحة ٣٠٢