578

قد تقدم في أول ركن السنة الكلام في اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -، وهل هو واقع منه أم غير واقع، ونذكر هاهنا حكم الاجتهاد من غيره في زمانه عليه الصلاة والسلام، وقد اختلف الأصوليون في صحة الاجتهاد في عهده - صلى الله عليه وسلم -، فقال الأكثر من العلماء: بصحته في غيبته، ومنهم من منع الاجتهاد في عصره - صلى الله عليه وسلم - في الغيبة والحضرة لإمكان الرجوع إليه بالمشافهة أو المراسلة، ولأن الاجتزاء بالاجتهاد مع وجود النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتزاء بالظن عن العلم، وحكي عن جماعة من الأصوليين التوقف في جوازه بحضرته، وإن جاز في غيبته، والصحيح أن الاجتهاد في عهده - صلى الله عليه وسلم - جائز وواقع، والدليل على ذلك ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا فأذن بالناس: "من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريضة"، وهم طائفة من اليهود بالمدينة من حلفاء الأوس، عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غزوهم، فسار الناس إليهم، وقد شغل جماعة من الصحابة ما لم يكن لهم منه بد عن المسير لبني قريضة ليصلوا بها العصر، فأخروا صلاة العصر إلى أن جاؤوا بعد عشاء الآخرة امتثالا لقوله - صلى الله عليه وسلم - لا يصلين العصر إلا في بني قريضة، فصلوا العصر بعد عشاء الآخرة، وبعضهم صلى العصر في وقتها في أماكنهم، وقالوا: "وقالوا ما يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منا أن ندع الصلاة ونخرجها عن وقتها، وإنما أراد الحث على الإسراع"، فما عابهم الله في كتابه، ولا عنفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأن كلا من الفريقين مجتهد، وكذلك ما نقل من تقريره عليه الصلاة والسلام للرجلين اللذين أحدهما يقطع اللينة من نخل بني النضير، والآخر يصلح ذلك، وقد تقدمت حكايتهما، ونزلت الآية بتصويبهما، وذلك قوله تعالى : { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها

فبإذن الله } (الحشر: 5)، وكذلك ما نقل من خبر معاذ حين وجهه - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، وقد قال: "أجتهد برأيي"، وأقره - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى حين وجهه إلى اليمن: "اجتهد برأيك". قال المانعون: تجويز الاجتهاد في عصره يؤدي إلى الاستغناء عنه - صلى الله عليه وسلم - . وأجيب: بأنه لا يؤدي إلى ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المبلغ والآمر بالاجتهاد، والمبين لأصول الحادثة وما يقاس عليه، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان إمكان خلو بعض الأزمنة من مجتهد، فقال:

وممكن خلو بعض الزمن ... على الصحيح من فقيه فطن

صفحة ٣٠١