577

فإذا وجد السائل عالمين أحدهما أعلم والآخر أورع، فقد اختلفوا هل الأعلم أولى أم الأورع؟ فقيل: الأعلم؛ لقوة معرفته مأخذ الحكم، وقيل: الأورع؛ لجده واجتهاده في توفية الاجتهاد حقه، وتوقي التقصير فيما يلزمه الوفاء به، أما إذا انخرمت عدالته فلا يصح تقليده اتفاقا، فإذا استوى المجتهدون في العلم والفضل، فقيل: إن السائل يخير في الأخذ بأيهما شاء، كالمجتهد إذا تساوت معه الدلالات، وهو مذهب علي بن عزرة والحسن بن أحمد، وقيل: بل يأخذ بالأخف في حق الله، لقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر } (البقرة: 185)، وبالأشد في حقوقنا؛ لأنه أحوط، وقيل: بل يأخذ بأول فتيا؛ لأنه بسؤاله قد لزمه قبوله، وقيل: بل يخير في حق الله تعالى بين أيهما شاء لقوله تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } (إبراهيم : 78)، وأما في حق العباد فيأخذ الحكم لترتفع الخصومة لو اختار أيها، واختار خصمه خلافه، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال:

وفي زمن المصطفى قد وقعا ... من الصحابة اجتهاد سمعا

مثل صلاة العصر في قريضة ... وفي بني النضير قطع اللينة

صفحة ٣٠٠