573

والصحيح أن فتوى الضعيف بنص عبارة المفتي جائزة في غيبة المفتي وفي حضرته، عرف عدلها أو لم يعرف، إذا كان متيقنا

بمن أخذ عنه؛ لأن ذلك ليس بأشد من عمله، فإذا جاز له أن يعمل بقول المفتي جاز له أن يفتي به، إذ لا فرق بينهما، أما الفتوى بالتخريج من مذهب المفتي فلا تصح إلا من المطلع على المأخذ العارف بالأدلة ومواردها، إذ لا يكون التخريج إلا لمن يكون من أهل النظر، فمن كان من أهل النظر والاستدلال جاز له التخريج على مذهب العالم، وهو مذهب الإمام الكدمي وجمهور المشارقة والمغاربة، خلافا لمن منع ذلك، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان تقليد الضعيف لعالمين فأكثر، فقال:

وجائز تقليد عالمين ... لسائل إن كان في شيئين

ولا يجوز في قضية لما ... يلزم من تناقض قد علما

اعلم أن تقليد العامي لعالمين فصاعدا إما أن يكون تقليده لهما في شيء واحد أو في شيئين، فإن كان في شيء واحد، فإما أن يتفق قولهما في تلك الحادثة، وإما أن يختلفا فيها، فإن اختلفا؛ فلا يصح تقليدهما في حال واحد معا اتفاقا؛ لأن تقليدهما معا في تلك الحادثة وذلك الحال مفض إلى التناقض، فإن أحدهما يجوز الإقدام مثلا، والآخر يمنع، فلا يتصور تقليدهما في ذلك، وإن اتفقا في تلك الحادثة، ففي جواز تقليدهما الخلاف الآتي في تقليد عالمين، والصحيح عندنا جوازه؛ لأن الظن بصواب عالمين أقوى منه بصواب عالم واحد، وأيضا فالإجماع إنما كان حجة بسبب اتفاق أقوال العلماء في حادثة، فلو لم يصح تقليد عالمين إذا اتفقا؛ لما صح تقليد ثلاثة اتفقوا، وكذا الأربعة وكذا الخمسة، فيؤول ذلك إلى إبطال حجية الإجماع رأسا، وهو خلاف المشروع.

صفحة ٢٩٦