572

واعلم أنه يجب على المقلد البحث عن حال المفتي في الصلاحية للفتوى، وهل هو جامع للاجتهاد والعدالة أم لا، وقيل: لا يلزمه ذلك، إذ لا طريق له إلى تحقيقه، كما لا يلزمه البحث عن وجه الحكم. ورد بأنه إن لم يبحث عن حال المفتي لا يأمن فسقه تصريحا أو تأويلا أو جهله بعلوم الاجتهاد أو بعضها، فلا يصلح للفتوى؛ فيكون تقليده إقداما على ما لا يؤمن قبحه ، ويكفيه في ذلك سؤال من يثق بخبره، ويثمر الظن، ويكفيه أيضا أن يرى استفتاء الناس إياه معظمين له آخذين بقوله، قال صاحب المنهاج: "إذا كان في بلد شوكته لأهل الحق الذين لا يسكتون على منكر، وإلا لم يأمن مع استفتاء الناس إياه كونه غير صالح"، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان إفتاء العامي بقول إمامه، فقال:

وجائز لذا الضعيف يفتي ... سواه بالذي رآه المفتي

في حضرة المفتي وفي غيبته ... وقيل: لا يجوز في حضرته

وقيل: لا يجوز مطلقا وما ... قدمته هو الصحيح فاعلما

يجوز لضعيف العلم حكاية قول العالم في الأحكام بلا خلاف بين العلماء؛ لأن ذلك ضرب من الإخبار، ولا خلاف في صحته عند الضبط والإتقان، لكن الخلاف في جواز إفتائه بقول العالم الذي أخذ عنه تلك الفتيا، وذلك بأن يسوق الكلام مساق الجزم بالحكم، فيقول: هذا حلال وهذا حرام مثلا، فقيل: بجواز ذلك مطلقا، واشترط بعضهم في هذا القول أن يكون المفتي إنما يفتي بنص قول إمامه، وقيل: لا يجوز مطلقا؛ لأنه ليس أهلا للإفتاء، وقيل: إن كان مطلعا على مأخذ إمامه جاز له ذلك، وصح له التخريج على مذهب إمامه، وقيل: إنما يجوز للمخرج الإفتاء بتخريجه عند عدم المجتهد، لا مع وجوده في تلك الناحية، إذ لا يجوز العمل بالأضعف مع إمكان الأقوى.

صفحة ٢٩٥

شرح طلعة الشمس على الألفية | أصول