571

ورد بأنه لو أوجبنا على العامي أن يميز بين المسائل القطعية والظنية من الفروع، لكنا قد ألزمناه علوم الاجتهاد والإجماع، على أنه لا يلزمه أما كونه لا يأمن خطأ من قلده، فكذلك لا يأمن أن المجتهد في الظنيات ليس عليه، ولم يفته بما هو الحق عنده، حاصله أن العامي مأمور باتباع العلماء، وذلك هو فرض، أما في المسائل الظنية فلا إشكال فيه لصواب جميع المجتهدين، وأما في المسائل القطعية ففيه إشكال من حيث أن الخطأ فيها غير معفو لوجوب الأخذ بالحق فيها إجماعا، لكن المسألة حينئذ قدرية، فإذا طابق اعتقاد العامي الحق بتقليده أهل الحق وأتباعه لهم كان ذلك بتوفيق الله له، وإن خالف ذلك فهو من سوء حظه، والله - سبحانه وتعالى - لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، والحجة لنا على جواز تقليد العوام للعلماء تواتر إجماع السلف على ترك تنكير تقليد العوام للعلماء من غير مانع لهم من الإنكار، قال الحاكم: "أجمعوا على جواز ذلك قولا وفعلا وتقريرا ورضى، وكذلك إجماع التابعين، فإنه ظهر فيما بينهم رجوع العامي إلى العالم، والقبول منه"، قال: "وذلك ظاهر عنهم؛ منهم من كان يفتي، ومنهم من كان يقبل، ومنهم من يقرر، وظهر عنهم الأمر بالاستفتاء والفتيا، وهذا هو العمدة في جواز الفتيا"، قال: "وهو أظهر أمر في الإجماع، فاقتضى جواز التقليد"، قال: "وليس لأحد أن يدعي أنهم إنما رجعوا إليهم في تبيين طرق الأحكام؛ لأن فساد هذا أظهر من إنكار استفتائهم، فإنه لم يرو أن أحدا في فتياه بين وجه القياس وطريقة الاجتهاد، ثم إنا نعلم ذلك، كما علمنا أنهم لم يوجبوا على الحاكم أن يبين وجه ما حكم به، ثم إن المفتي لو روى خبرا وجب قبوله، فكذلك إذا أفتى، ثم إنا لو كلفنا العامي في معرفة وجوه الحوادث لزم في أكثر الأحوال فوات العمل بكثير من الأحكام"، انتهى أخذا من منهاج الأصول.

أما قول أصحابنا في منع التقليد؛ فمرادهم به العمل بقول الغير من غير مبالاة أصاب ذلك الغير أم أخطأ، كما فسره بذلك بعضهم، والتقليد بهذا المعنى حرام اتفاقا، أما بالمعنى الذي أردناه نحن في النظم، وهو الأخذ بقول الغير مع ظن الصواب والتماس الحق، فالأصحاب متفقون على جوازه في الظنيات، وكذلك في القطعيات إن وافق الحق.

صفحة ٢٩٤