574

وإن كان تقليدهما في شيئين فصاعدا أو في حالين، فالصحيح أيضا عندنا جوازه سواء كان قد التزم مذهب عالم من العلماء أو لم يلتزمه، فيصح له أن يأخذ من هذا العالم مسألة، ومن الآخر أخرى، وهذه المسألة معروفة عندهم بمسألة الانتقال عن مذهب إمامه إلى مذهب إمام آخر، وحجتنا على جوازه أن كل مجتهد مصيب، فلم يحرم علينا في الشرع إلا الانتقال من الصواب إلى الخطأ، لا من صواب إلى صواب، فلا مقتضى لتحريمه لا عقلا ولا شرعا، إذ يصير كالواجب المخير، فإنه جائز لكونه انتقالا من صواب إلى صواب، فكذلك المقلد إذا قلد مجتهدا ثم انتقل إلى مجتهد آخر، فهو كمن شرع في واحد من أنواع الكفارة، ثم ترجح له فعل النوع الآخر منها، فكما لا حظر عليه في ذلك؛ كذلك المقلد إذا انتقل، وإنما الحظر في ذلك على القول بأن الحق مع واحد، والمخالف مخطئ، وقد قدمنا بطلانه، وأيضا فكما جاز للمقلد اختيار ما شاء من المذاهب في الابتداء بلا خلاف لإصابة المجتهدين؛ استصحبنا الحال بعد تقليده؛ لأنهم إذا لم يتجدد له ما يحرم ذلك، وقيل: ليس للمقلد الانتقال بعد التزام مذهب إمام إلى مذهب آخر لغير مرجح؛ لأنه اختار المذهب الأول؛ ولا يختاره إلا وهو راجح من غيره عنده، فليس له الخروج عنه، كما ليس للمجتهد الانتقال عن اجتهاده لغير مرجح، وهذا مما لا خلاف فيه في حق المجتهد، ولا علة لتحريمه إلا لكونه خروجا عما قد اختاره لغير مرجح للخروج، فكذلك خروج المقلد لغيره، ونسب هذا القول إلى الأكثر، قالوا: وتجويز ذلك يؤدي إلى التهور في الأعمال الشنيعة، وتتبع الشهوات، بأن يختار لنفسه من الأقوال ما يؤديه إلى نيل شهواته، لا لكونه دين الله، ولا قائل بالتنقل في المذاهب لمجرد اتباع الشهوات، قالوا: وقد نص علماؤنا على أنه محرم إجماعا، ثم إنهم جوزوا الانتقال من مذهب إلى مذهب لأمور منها:

- أن يعرف المقلد حجج المختلفين في ذلك الحكم، ويكون من أهل النظر، فتترجح له حجة مخالف إمامه؛ فحينئذ يجوز له الانتقال إلى ما ترجح له.

- ومنها أن ينكشف له أن إمامه ذلك ناقص في عدالته أو في اجتهاده عن القدر المعتبر؛ فينتقل عن تقليده إلى تقليد الأكمل.

صفحة ٢٩٧