شرح طلعة الشمس على الألفية
وقال أهل العراق: يجوز للمجتهد أن يقلد غيره فيما يخصه لنفسه دون ما يفتي به لغيره. ورد: بأنه لا فرق بينما يخصه لنفسه وبينما يفتي لغيره؛ لأنه في الجميع متعبد بالأخذ بالراجح، وقال بعض: يجوز أن يقلد غيره فيما يخصه، بشرط لو اشتغل بالاجتهاد فاته العمل، وهذا القولأسهل من الأقوال المتقدمة؛ لحصول العذر بضيق الحال، ولأنه إذا لم يمكنه الاجتهاد في ذلك الحال كان بمنزلة من يسعه التقليد من العوام؛ لعدم التمكن من الاجتهاد ، وقال يحي بن حمزة والجويني: "لا يجوز لأحد من المقلدين أن يقلد أحدا من الصحابة"، قال يحي: "لأنه لم يكن لهم من الخوض في علوم الاجتهاد مثل ما لغيرهم من متأخري العلماء"، وهذا باطل لأن اجتهاد الصحابة أوفى وأكمل؛ لأن علوم العربية وأكثر أصول الفقه من عموم وخصوص، وإجمال وبيان ونسخ، وغير ذلك يعلمونه من غير تعلم ولا نظر، بل لغريزة، ولا يصعب عليهم فهم معاني الكتاب والسنة، ولا يحتاجون في نقل الأحاديث كما يحتاج المتأخرون من البحث عن حال الراوي وغير ذلك، فلا شك في أن اجتهادهم أكمل، وقيل: لا يجوز تقليد الصحابة لكون مذاهبهم لم تدون لا لقصورهم عن رتبة الاجتهاد، وهذا أيسر مما قبله، وإن كان ليس بشيء أيضا؛ لأن التدوين ليس بشرط لجواز الأخذ بقول الغير، وإنما الشرط في ذلك صحة النقل، فإذا صح النقل عن صحابي أو تابعي أو غيرهما؛ كان حكم قوله كحكم أقول سائر المجتهدين، يجوز للضعيف الأخذ به، وعلى المجتهد النظر لنفسه، ولا يصح له تقليد غيره إن أمكنه الاجتهاد كما مر.
والحجة لنا على ذلك الإجماع منعقد على أنه إنما يكلف بظنه حيث يكون له طريق إلى الظن، ولا شك أن المجتهد يجد الطريق إلى الظن؛ فليس له العمل بظن غيره إلا لدليل يبيح له العمل بظن مجتهد آخر، ولا دليل يدل على ذلك إلا في المقلد فقط، قال ابن الحاجب: "جواز ذلك بحكم شرعي، فلا بد من دليل عليه؛ لأنه إثبات حكم، بخلاف نفي الحكم فلا يحتاج إلى دليل بل يكفي فيه انتفاء دليل الثبوت، وإذا كان ذلك إثبات حكم، وأنه يحتاج في إثباته إلى دليل، فالأصل عدم الدليل، فلا يثبت مهما لم تقم دلالة عليه، وأيضا فالمجتهد متمكن من الأصل، وهو العمل بظنه، فلا يجوز له العمل بالبدل مع التمكن من الأصل، كالواجد للماء لا يجزيه التيمم، ولأنه لو جاز له التقليد قبل الاجتهاد؛ لجاز بعده، والإجماع على أنه لا يجوز، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان التقليد العامي، فقال:
صفحة ٢٩٢