568

لم يقل سليمان بن عثمان رحمه الله تعالى حين رجع عن فتواه في فلج الخطم، وقضيتها مشهورة في كتب الفقه، وقد عرفت مما مر أن الخلاف في نقض الاجتهاد باجتهاد آخر إنما هو فيما يستدام من الأعمال، وهو ههنا كذلك، فلا يلزم العامل إعلام مقلده فيما فات اتفاقا، وإنما يلزمه إعلامه إذا كان مقلدا في تلك الحادثة له ولغيره ممن وافقه فيها؛ لأنه إذا رجع عنها هو، فلمقلد إمام آخر متمسك بقوله، ولا يلزمه الرجوع برجوع أحد إماميه، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان منع المجتهد من تقليد غيره، فقال:

وإن أطلق الاجتهاد حرما ... عليه تقليد سواه فاعلما

وقيل: لا يحرم حتى يجتهد ... وبعد الاجتهاد فالمنع يرد

وقيل: بل يجوز مطلقا وفي ... هذا من البطلان ما لا يختفي

وقيل: إن كان صحابيا يصح ... وقيل: لا وهو المقال المتضح

وقيل: إن كان يفوت العمل ... بالاجتهاد جاز وهو أسهل

لا يصح لمن أطلق الاجتهاد في شيء من المسائل الظنية أن يقلد غيره فيها، ولو كان الغير أعلم منه أو صحابيا، بل يجب أن ينظر لنفسه ما هو الحق في حقه، ويحرم عليه تقليد غيره سواء أجتهد في تلك الحادثة؛ فظهر له الراجح فيها أم لم يجتهد، وقيل: لا يحرم تقليد المجتهد لغيره قبل أن يجتهد في تلك الحادثة، فإذا اجتهد فيها، ورأى الراجح؛ حرم عليه تقليد غيره، قيل: اتفاقا، وحكى بعضهم الخلاف فيه أيضا، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والثوري: بل يجوز له ذلك مطلقا، أي سواء كان المقلد أعلم منه أو ليس بأعلم، صحابيا أو غير صحابي، خاف الوقت أن يفوت الوقت باشتغاله بالاجتهاد أو لم يخف؛ لقوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر } (النحل: 43). ورد: بأنه قيد ذلك بقوله: { إن كنتم لا تعلمون }، والمجتهد يمكنه العلم، وقال محمد بن الحسن: "يجوز تقليد الأعلم فقط؛ لأن الظن بصواب من هو أعلم منه أقوى من الظن بصوابه". ورد: بأنه رجوع عن الواضح إلى المشكل، وقيل: إنما يجوز له تقليد الصحابي لا غير؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". ورد: بأن ذلك إنما هو في حق من يصح له التقليد، أما المجتهد ففرضه العمل باجتهاده، وقال ابن بركة: "تقليد الصحابة جائز في بعض الأحكام"، ثم قال بعد: "يجوز تقليد الواحد منهم إذا قال قولا، ولم ينكر عليه غيره، وأما إذا علم له مخالف فلا"، ثم قال: "ولا يجوز التقليد لأهل الاستدلال والبحث في عصر غير الصحابة مع الاختلاف، ويجوز الاعتراض عليهم في أدلتهم، ولا يجوز الاعتراض على الصحابة"، قال البدر رحمه الله: " وتفسير كلامه - والله أعلم- أن الصحابة إذا اختلفوا تختار بين أقوالهم، ولا تحدث عليهم قولا، وغير الصحابة إذا اختلفوا تجتهد لنفسك وحدك"، أقول: وظاهر كلام ابن بركة: اعتبار إجماع الصحابة وإن كان سكوتيا، وأن قول الصحابي الواحد عنده ليس بحجة.

صفحة ٢٩١

شرح طلعة الشمس على الألفية | أصول