شرح طلعة الشمس على الألفية
أي إذا اجتهد المجتهد في حادثة، فرأى جوازها فعمل به، ثم تغير اجتهاده فرأى أمها حرام، فإنه يحجر عليه الإقامة على ذلك الفعل، مثال ذلك: إذا رأى جواز تزويج الصبية أو جواز التزويج بغير ولي ففعل، أو رأى أن الطلاق ثلاثا بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة أو نحو ذلك، فعمل بما رأى، ثم رأى بعد ذلك أن ذلك فعل حرام؛ لزمه أن يترك زوجته، وهذا مبني على القول بأن الاجتهاد ينقض الاجتهاد، وهو الصحيح؛ لأن الاجتهاد الأول لا يكون عندنا بمنزلة الحكم حتى لا يصح نقضه، وإنما هو حكم تعبد به المجتهد في ذلك الحال، فإذا رأى أن الراجح غيره، فقد تعبد بذلك الغير، ولا مرية في جواز انتقال التعبد بتغير الأحوال، وقيل: إن الاجتهاد الآخر لا ينقض به الاجتهاد الأول، وإنما يلزمه العمل به في مستقبل الأوقات فقط، أي فيما ابتدأه من بعد لا في استمراره، ومحل النزاع إنما هو في الأشياء المستدامة، كالإستمتاع بالزوجات، لا في الأعمال الماضية، فإنه من عمل باجتهاده في صحة الوضوء أو الصلاة أو الحج لا يلزمه قضاؤه، وإن تغير فيه اجتهاده اتفاقا، وكذلك من تغير اجتهاده بعد أن طلق زوجته الصغيرة أو ماتت معه أو نحو ذلك؛ فإنه لا إثم عليه فيما فعله باجتهاده الأول اتفاقا، فالخلاف في الأشياء المستدامة خاصة، أما الأعمال المستأنفة فلا خلاف أنه يجب عليه العمل باجتهاده فيها في حاله ذلك، وهذا فرع على هذه المسألة، وهو أنه إذا رجح المجتهد عن اجتهاده كان قد قلده فيه مقلد هل يلزمه إعلام مقلده بالرجوع أم لا؟ فقيل: إنه يلزمه ذلك؛ ليرجع المقلد له إلى قوله الآخر، حيث هو مستلزم لمذهبه في رخصه وعزائمه، ومقلد له في تلك المسألة فقط، وهذا مبني على القول بأن الاجتهاد ينقض بالاجتهاد، وقيل: لا يلزمه إعلام مقلده بالرجوع؛ لأنه عامل في ذلك بقول من أقوال المسلمين، وله أن لا يرجع عنه وإن رجع المفتي، وهو مذهب غسان بن عبد الله - رضي الله عنه -، فإنه
صفحة ٢٩٠