شرح طلعة الشمس على الألفية
واعلم أنه إذا تكررت الواقعة من المسائل الاجتهادية، وكان قد اجتهد فيها، وأداه نظره فيها إلى حكم؛ لم يلزمه عند تكررها تكرير النظر في وجه استنباطه، بل يكفيه النظر الأول إذا كان ذاكرا لما كان قضى به رأيه فيها، وقال صاحب الملل والنحل: "بل يلزمه تكرير النظر؛ لأنه يجوز أن يؤديه نظره الثاني إلى أقوى من اجتهاده الأول، بخلاف المسائل العملية، وطريق العلم لا يختلف، فلا يلزمه إعادة النظر فيها". ورد بأنه قد اجتهد فيها الاجتهاد الأول، والأصل عدم أمر آخر يقتضي بطلان الاجتهاد الأول، فيبقي عليه، قال صاحب المنهاج: "ويؤيد ذلك أن من تحرى القبلة في مسجد أو غيره، فأداه تحريه إلى جهة، أنه لا يلزمه إعادة التحري لكل صلاة يؤديها في ذلك المكان؛ بل يكفيه التحري الأول، وهو نوع من الاجتهاد؛ فيلزم مثله في سائر الاجتهادات، والله أعلم، ثم قال:
وامنع صدور متناقضين ... من عالم لسائل في حين
وجائز إن كان في وقتين ... لصحة الرجوع أو لاثنين
اعلم أنه لا يصح أن يصدر قولان متناقضان من عالم واحد لسائل واحد في وقت واحد وحادثة واحدة؛ لتعذر اجتماع معتقدين متناقضين في محل واحد، وجاز ذلك إن تكرر السؤال في وقتين، أو كان السائل اثنين:
أما الأول فلصحة الرجوع في الوقت الثاني عن القول الذي قال به في الوقت الأول، إذ يمكن أن يظهر له في الوقت الآخر ما لم يظهر له فيما قبله.
وأما الثاني فلاحتمال اختلاف الأحكام باختلاف أحوال السائلين، فإنه قد يختلف الحكمان في القضية الواحدة باختلاف الأحوال، ألا ترى أن أحكام المضطر تخالف أحكام المختار، وأن بعض الرخص تبذل لبعض السائلين دون بعض، وهكذا فيما أشبه ذلك، والله أعلم، ثم قال:
وباطل حكم الذي قد عدلا ... في حكمه عما رأى أو نزلا
اعلم أنه إذا اجتهد العالم في حادثة وجب عليه أن يلتزم ما رأى أنه الصواب في حقه، فإذا أراد الحكم فيها لزمه أن يحكم فيها بما أداه إليه اجتهاده، ولا يصح له أن يعدل عن اجتهاده؛ فيحكم بغيره، وكذلك لا يصح له أن يعمل بغيره، فإن حكم أو عمل بغير ما أداه إليه اجتهاده بطل حكمه بذلك اتفاقا، وأثم في عمله؛ لأنه قد خالف الحق في حقه، وكذلك يبطل حكمه إذا حكم بغير ما أنزل الله تعالى في كتابه أو على لسان نبيه.
صفحة ٢٨٨