شرح طلعة الشمس على الألفية
وأما دليل تأثيم وفسق من أخطأ فما علم بالضرورة من هلاك اليهود والنصارى والمشركين، وقد نطق كثير من الآيات بتهليكهم هذا في المشركين، وأما هلاك من أخطأ في الحق من غير المشركين، فلقوله - صلى الله عليه وسلم - : "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة"، على أن المسلمين قد أجمعوا على تفسيق من أخطأ في الدين، وبيان ذلك أن كل فرقة من فرق الإسلام تفسق من خالفها فيما تدين به؛ فظهر من ذلك تفسيق المخالف في الدين إجماعا، والفاسق هالك قطعا، وذهب الجاحظ إلى أنه لا إثم على من طلب الحق، ولم يعاند، وهو باطل قطعا؛ لما يلزم عليه من القول بنجاة بعض اليهود والنصارى والمشركين، لأن من طلب الحق منهم فأخطأه يكون ناجيا في زعمه، والكتاب العزيز ناطق برد مقالته، وقد اعتذر له بعضهم بأن لم يرد ذلك، وإنما أراد من طلب الحق ولم يعاند من فرق الإسلام، وعلى هذا الاعتذار فهو باطل أيضا؛ لما يلزم عليه من جعل المحق والمخطئ في مرتبة واحدة، وهو ظاهر البطلان، { أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون } (القلم: 35-36)، وأيضا فما تقدم من الإجماع على تفسيق المخطئ في الدين حجة قاطعة في رد مقالته بذلك. وقال عبد الله بن الحسن العنبري: "كل مجتهد مصيب في العقليات والفروع"، قال البدر رحمه الله تعالى: "وهذا خطأ فاحش، والعجب كيف يصيب من قال بقدم العالم، وتكذيب الرسول، ومن جعل الشريك لله ومن شبهه بالخلق ووصفه بالعجز أو جعل معه قديما، أو لم يصفه بصفات الكمال"، ومقالة العنبري أبعد في الخطأ من مقالة الجاحظ، وكل منهما ضلال. وقد اعتذر صاحب المنهاج عن مقالة العنبري بأن خلافه راجع إلى كيفية التكليف بالمعارف الدينية، فعنده أن المطلوب منا فيها الظن كالعمليات، وعندنا بل المطلوب العلم، قال: "وإذا قال بذلك؛ فهو قريب من قول من زعم أن المقلد فيها ناج"، قال: "وقد مر الكلام في
أن المطلوب العلم اليقين لا الظن والتقليد"، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان حكم الاجتهاد، فقال:
ويجب اجتهاده إن سئلا ... عنه وإن شاء به أن يعملا
وربما تعارض الأصلان ... فيجب الوقوف للحيران
صفحة ٢٨٥