شرح طلعة الشمس على الألفية
وأما القائلون بأن المصيب في الظنيات واحد، ولا إثم على من أخطأ فيها، فقد مر أنه لا خلاف بيننا وبينهم في المعنى، وإنما الخلاف في اللفظ فقط؛ لأنهم يسمون بعض المجتهدين في الظنيات مخطئا، ونحن لا نسميه بذلك، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان الاختلاف في القطعيات من مسائل الدين، فقال:
وإن يكن اختلافهم في الدين ... فاحكم بفسق واحد من ذين
اختلف في جواز الاجتهاد في مسائل الدين، وهي المسائل التي ثبتت بالأدلة القاطعة، كمسائل الاعتقاد، ووجوب الصلاة والصيام، وغير ذلك مما ثبت بالأدلة المتواترة وبالأدلة العقلية، فقيل: لا يجوز النظر والاجتهاد فيها، بل يجب التسليم والتقليد، ونسب هذا القول إلى الحشوية وبعض المجبرة، وقيل: بجواز الاجتهاد فيه، وهو الصحيح إذا لم يكن المجتهد قبل النظر والاجتهاد شاكا فيها.
حاصل المقام أن النظر فيها جائز، والشك محجور، فإن كان الناظر مجتهدا إنما نظر في القطعيات ليزداد طمأنينة وإيقانا، فأصاب وجه الحق؛ فله أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإن أخطأ وجه الحق فيها؛ فهو آثم هالك لمخالفته الأدلة القطعية، والدليل على جواز النظر والاجتهاد في القطعيات قوله تعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } (الغاشية: 17) الآية، وقوله تعالى: { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } (الفرقان: 45) الآية، وقوله: {فانظر إلى آثار رحمت الله } (الروم: 50) الآية، وكثير من الآيات على هذا المعنى، وقد مدح - سبحانه وتعالى - خليله إبراهيم عليه السلام، في قوله: { رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } (البقرة: 260).
صفحة ٢٨٤