شرح طلعة الشمس على الألفية
- الوجه الثاني: قوله تعالى: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله } (الحشر: 5) نزلت في رجلين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، جعل أحدهما في حال حصاره لبني النظير يجتهد في إفساد نخلهم وقطعها، وجعل الآخر منهما يجتهد في تقويمها وتصليحها، فنمى خبرهما إليه - صلى الله عليه وسلم -، فاستحضرهما، وسألهما عن شأنهما في ذلك، فقال الذي كان يفسدها: أما أنا يا رسول الله فخشيت أن لا يحصل الاستيلاء عليهم، فأردت أن لا ينتفعوا بها إن تقووا، وقال الآخر: وأنا وثقت من الله تعالى بالنصر لرسوله وتمكينه منهم، فتبقى أراضيهم فيئا للمسلمين ينتفعون بها، فجعلت أصلحها لذلك، فتوقف - صلى الله عليه وسلم - في تصويب أيهما، حتى نزلت فيهما الآية، فصرح فيها بتصويب كل واحد منهما، في قوله: { فبإذن الله }، والمراد بإذنه تعالى في الآية إباحته.
- الوجه الثالث: قوله تعالى في قصة داود: { وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث } ( الأنبياء: 78)، إلى قوله: { ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما } (الأنبياء: 79)، ففي هذه الآية ما يقتضي تصويب داود وسليمان معا.
واعترض بأنه تعالى لم يقل: { آتينا حكما وعلما } فيما حكم به داود في تلك المسألة، فيصح أن يكون المراد آتاهما علم الاجتهاد ومعرفة الأحكام، وهو الظاهر من الآية، وذلك لا يقتضي إصابتهما معا في تلك المسألة، سلمنا أنه يقتضي إصابتهما؛ فمن أين يلزم أن يكون ذلك في كل مجتهد؟، ولم لا يصح أن يكون ذلك من خصوصياتهما عليهما السلام؟.
- الوجه الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، ولو كان أحد أقوالهم خطأ لم يكن هدي، واحتج القائلون بإصابة واحد من المختلفين بوجوه:
* منها أنهم قالوا: لا دليل على الحكم بالتصويب، والأصل عدمه، ورد بأن الدليل على ذلك ما قدمناه من الاحتجاج.
* ومنها أنهم قالوا: لو كان كل واحد مصيبا لاجتمع النقيضان، وهو أن يكون المجتهد ظانا للحكم من حيث أن دليله ظني؛ قاطعا بثبوته من حيث الإجماع على وجوب عمله به؛ فيكون ظانا قاطعا بثبوته، والظن والقطع نقيضان، حيث يتعلقان بمتعلق واحد؛ لأن الظن يصحب التجويز، فيكون مجوزا غير مجوز، وهذان نقيضان.
صفحة ٢٨١