557

اعلم أن المجتهدين إذا اختلفا، إما أن يكون اختلافهما في شيء من المسائل القطعية، وأما أن يكون في شيء من المسائل الظنية، فإن كان اختلافهما في شيء من المسائل القطعية، فسيأتي أن المصيب واحد منهما، والآخر مخطئ فاسق، وإن كان اختلافهما في المسائل الظنية، والمراد بها مسائل الفروع التي لم يقم على بيان حكمها دليل قطعي، فمذهب أصحابنا من أهل عمان إلا ابن بركة ومذهب أبي يعقوب من أهل المغرب، وكثير من الأصوليين أن الصواب مع كل واحد من المختلفين، وأن حكم الله في تلك القضية التي اختلفوا فيها متعدد بحسب اختلافهم، فحكمه عند كل واحد من المختلفين ما أداه إليه اجتهاده، وذهب أصحابنا من أهل المغرب وابن بركة من أهل عمان إلى أن المصيب فيها واحد، وأن المخطئ غير آثم نظرا منهم إلى منع تعدد حكم الله تعالى في القضية الواحدة، فأثبتوا لمن أصاب الحق أجرين، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وجعلوا لمن أخطأ حكم الله فيها أجر الاجتهاد، ولم يؤثموه لعدم ورود القاطع في القضية، ولكل واحدة من الطائفتين حجج، سيأتي ذكر بعضها قريبا إن شاء الله تعالى، والخلاف بينهما لفظي، إذ لا ثمرة له، وذهب الأصم وبشر المريسي وابن علية إلى ان الحق فيها مع واحد والمخالف له مخطئ، وقال الأصم: وينقض به حكم الحاكم، أي إذا حكم الحاكم بشيء، وخالف فيه اجتهاد غيره؛ فلذلك الغير أن ينقض حكمه باجتهاده، قال الأصم: ويأثم المخالف فيها لمن معه الحق، كما نقول في مسائل الدين. احتج المصوبون للجميع بوجوه:

- الوجه الأول: أنه قد تكرر الكلام بين الصحابة في المسائل الفروعية، وظهر اختلافهم ظهورا شائعا ذائعا، فلو خطأ بعضهم بعضا في ذلك، وحكم بتأثيمه نقل ذلك على حد نقل الاختلاف؛ لأن الداعي إلى نقل الخلاف هو بعينه داع إلى نقل ما قيل فيه من التخطئة والتأثيم، أما ما نقل عن ابن عباس: "فمن باهلني باهلته"، فهذا يحتمل المبالغة، وأنه أراد من زعم أني فيما قلت مخطئ آثم، فهو مخطئ آثم، فمن باهلني بعد التخطئة باهلته"، وأما قول علي لابن عباس في نكاح المتعة: "إنك رجل تائه"، فهذه إنما يدل على أن الناظر أخطأ الأرجح، وأما قول عائشة للمرأة التي سألتها: "بئس ما شربت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا أن الله أحبط جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، فذلك يحتمل أنها ظنت أنه فعله مع اعتقاده للتحريم، إذ لم يرو عن غيرها مثل ذلك، فهذه الثلاث المسائل أبلغ ما روي مما ظاهره التخطئة، ولم تظهر كظهور الاختلاف عنهم، ولم تنقل كنقل الاختلاف، فلا يجوز أن تجعل حجة على تخطئة المجتهد في الظنيات.

صفحة ٢٨٠