شرح طلعة الشمس على الألفية
أما إذا اختل منها بعض الشروط، وكان عالما بشيء دون شيء، كما لو كان عالما بأدلة بعض النكاح دون غيرها أو أدلة البيوع دون غيره أو نحو ذلك، وكان متقنا بما علم منها إتقانا تاما، فهل يجوز له أن يجتهد في استنباط ما علم من الأحكام؟ أم لا يجوز له حتى يكون عالما بجميع أحكام الكتاب والسنة؟ ذهب الإمام الكدمي - رضي الله عنه - إلى جواز ذلك، ونسب هذا القول إلى أكثر الأصوليين، وقيل: لا يجوز الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، وإن عرف في ذلك البعض الأدلة التي تتعلق بها أحكامه، وهذه المسألة معروفة عندهم بتجزؤ الاجتهاد، والصحيح ما عليه الإمام من جواز ذلك؛ لأنه لو اشترطنا كمال الاجتهاد في كل فن، بحيث لا يجهل المجتهد شيئا من مأخذ كل مسألة؛ للزم أن لا يجهل المجتهد شيئا من المسائل الاجتهادية؛ لكمال علمه بمأخذ كل مسألة، وإلا كان قاصرا، وقد سئل مالك بن أنس عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع، وقال في البقية: "لا أدري"، فلولا أنه لا يصح الاجتهاد في مسألة دون أخرى لما جاز له أن يجيب عن البعض، وكذلك نقل عن بعض الصحابة التوقف في مسائل من الأحكام، كمعاذ وابن عمر وغيرهما، وكذلك عن التابعين وتابع التابعين، حتى صار ذلك شعارا في علماء الآخرة، فلو لم يكن الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض جائز؛ ما ثبت هذا التوقف عنهم. احتج المانعون بأنه لو جاز تجزئ الاجتهاد للزم عليه أن يقال نصف مجتهد، وثلثه ربعه، ولم يقل بذلك أحد. وأجيب: بأنه لا يلزم ما ذكر فلا يسمي المجتهد في بعض الأحكام دون بعض نصف مجتهد، ولا نحو ذلك بل يسمى مجتهدا في ذلك البعض، وهو مجتهد تام فيما هو فيه مجتهد، وإن كان قاصرا بالنظر إلى من فوقه، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان الاختلاف بالرأي، فقال:
والخلف في مجتهدين اختلفا ... فصوب الجميع بعض فاعرفا
وقيل: إنما المصيب واحد ... لكنه لا يأثم المباعد
فمن أصاب فله أجران ... وأجر الاجتهاد يعطى الثاني
صفحة ٢٧٩