شرح طلعة الشمس على الألفية
- ومن شروطه: أن يكون عالما بالمسائل التي اجتمعت عليها الأمة لئلا يخالف اجتهاده الإجماع؛ لأن الإجماع أحد الأدلة الشرعية كما مر، وهو مقدم على القياس، فليس للمجتهد أن يخالفه، واشترط ابن بركة أن لا يخالف أقوال الصحابة إذا كان في الحكم قول لهم، واشترط بعض أن يوافق بعض أقوال من تقدمه، أو يعلم أنها نازلة لم يخض فيها من تقدمه، وخص الشيخ سليمان بن يخلف الاجتهاد بالنازلة التي لم تكن في الكتاب ولا في السنة ولا في آثار المسلمين الذين كانوا قبل النازلة، أقول: وتخصيص الاجتهاد بما عدا ما ذكره الشيخ مفض إلى ووجب التقليد في كثير من المسائل الاجتهادية، بل الصحيح أن الاجتهاد ثابت فيما عدا الكتاب والسنة والإجماع، أما اشتراط ابن بركة في أن لا يخالف قول الصحابة، فمعناه أن الصحابة إذا اتفقوا على قول؛ لا يجوز لغيرهم خلافه؛ لأن اتفاقهم على ذلك إجماع منهم، وهو مبني على القول بأن خلاف التابعي غير قادح في إجماع الصحابة، ولو كان في عصرهم، وقد تقدم الخلاف في ذلك، والصحيح اعتبار المجتهد التابعي في صحة إجماع الصحابة إذا كان في عصرهم، وأما اشتراط ذلك البعض أن يوافق بعض أقوال من تقدم، أو يعلم أنه لم يكن لمن تقدمه خوض في تلك الحادثة، فمبني على منع إحداث قول ثالث، وقد تقدم في آخر الركن الإجماع أن الصحيح جوازه.
فإذا كملت هذه الشروط في المجتهد جاز له الاجتهاد إجماعا، حتى على مذهب من منع القياس، إذ قد تقدم أنهم إنما يمنعونه في غير العلل المنصوصة.
صفحة ٢٧٨