550

- أما الذي لا يصح الترخص به عند الإكراه، فهو قتل المسلم بغير حق، أو إتلاف عضو منه أو جرحه أو نحو ذلك، مثل الزنا وأشباهه، فإن التقية في مثل هذا لا تصح، حتى لو أكره الجبار أحدا على جرح مسلم، فإن لم يفعل قتله، لزمه أن لا يفعل؛ لأن نفسه ليست أولى بالسلامة من نفس غيره، وأما الزنا فإنه بنفسه لا يقبل الإكراه، حتى لو زنا عد مختارا للزنا؛ لأن الآلة لا تساعده إلا عند الرضا، وأما المحرم الذي يصح التقية به، فكأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وجميع ما أبيح في الضرورة؛ لأن الإكراه نوع من الاضطرار، فينبغي ألا يعطى أحكامه في صحة الترخص، لكن لما كان المجبور لم يحمل نفسه على الهلكة بترك التقية من أكل الميتة ونحوها، وإنما حمله على ذلك الجبار جوزنا له ترك الترخص، بخلاف ضرورة الجوع، فإنه إن لم يترخص فيها يكون حاملا لنفسه على الهلاك، فيجب عليه هنالك، وذهب ابن بركة والفخر الرازي وصاحب التوضيح والسعد التفتزاني إلى وجوب الأخذ بالرخصة في أكل الميتة عند الإكراه، وجعلوه كضرورة الجوع، والفرق بينهما واضح، وذهب بعض أصحابنا إلى منع الترخص بأكل الميتة ونحوها في حالة الإكراه، وقصروا جواز الترخص بذلك في حالة المخمصة؛ عملا بمفهوم قوله تعالى: { فمن اضطر في مخمصة } (المائدة: 3) الآية، قلنا: لا مفهوم للمخمصة في الآية؛ لأنها إنما ذكرت لكونها الأغلب من حالات المضطر، ففي العادة أنه لا يضطر غالبا إلى أكل الميتة ونحوها إلا الجوع الشديد.

- وكذلك يصح للمجبور الترخص بإتلاف مال الغير، فإذا أكره الجبار أحدا على إضاعة مال غيره؛ جاز له التقية بذلك؛ فصح له إتلافه بشرط ضمانه لصاحبه، ومعنى ذلك أنه لا يكون آثما في إتلافه؛ لأن النفوس تفدى بالمال ولا عكس، وإنما أوجبنا عليه الضمان لئلا يضيع مال الغير في غير شيء، وفي الحديث: "لا تواء على مال مسلم"، والتواء: الهلاك.

- ومن لم يأخذ بالرخصة في شيء من هذه الأمور لكنه تمسك بالعزيمة حتى قتل عليها أو عذب؛ حاز بذلك من الله المقام الأكمل، إذ لا يلزمه الترخص في شيء منها، بل الترخص فيها كلها جائز فقط، خلافا لمن أوجب التقية بأكل الميتة وأشباهها، ونحن نقول أنه لا فرق في الإكراه بين الأخذ بالعزيمة في ترك التلفظ بالكفر، وفي ترك الترخص بأكل الميتة، وقد ورد أن رجلين مرا على مسيلمة الكذاب، فأخذهما، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟، فقال: رسول الله، فقال: ما تقول في؟، قال: أنت أيضا، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟، قال: رسول الله، قال: ما تقول في؟، قال: أنا أصم، فأعاد ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أما الأول فقد أخذ بالرخصة، وأما الثاني فقد صدع بالحق، فهنيئا له"، فهذه أدلة مصرحة بأن الأخذ بالعزيمة أوسع، بل هو أفضل من الترخص، ولم يعد تارك الرخصة في هذه الصورة حتى قتل مهلكا لنفسه، فكذا في أكل الميتة والفرق بينهما عسر جدا، والمراد بالمقام الأكمل في كلام الناظم: الثواب الجزيل في الآخرة، وفي ذكره حسن الاختتام؛ لأنه مشير إلى كمال الكلام على قسم الأحكام، وهو آخر الكلام في أصول الفقه، لكن بقيت أشياء يحتاج مستنبط الأحكام إليها، وبها يعرف المجتهد من غيره، وبها يتميز مواضع الاجتهاد من غيره، فجعلها خاتمة للفن، فقال:

صفحة ٢٧٣

شرح طلعة الشمس على الألفية | أصول