546

مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

الناشر

مركز الدعوة والإرشاد

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م

مكان النشر

القصب

إِلاَّ الْجَنَّةُ» متفق عليه (١): فإذا اعتمر ثلاث أو أربع مرات فلا حرج في ذلك، فقد اعتمرت عائشة ﵂ في عهد النبي ﷺ في حجة الوداع عمرتين، في أقلّ من عشرين يومًا» (٢) (٣).

(١) تقدم تخريجه في الهامش الذي قبل هذا.
(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٤٣٢، وكانت هذه الفتوى نشرت في مجلة اليمامة، العدد (١١٥١) بتاريخ ٢٥/ ٩/ ١٤١١هـ.
(٣) وسئل شيخنا ابن باز ﵀ عن الزمن الذي يكون بين العمرتين للرجال والنساء فقال: «لا نعلم في ذلك حدًا محدودًا بل تشرع في كل وقت؛ لقول النبي ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» متفق على صحته: [البخاري، برقم ١٧٧٣، ومسلم، برقم ١٣٤٩]،، فكلما تيسر للرجل والمرأة أداء العمرة فذلك خير وعمل صالح، وثبت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «العمرة في كل شهر». وهذا كله في حق من يقدم إلى مكة من خارجها، أما من كان في مكة فالأفضل له الاشتغال بالطواف والصلاة وسائر القربات، وعدم الخروج إلى خارج الحرم لأداء العمرة إذا كان قد أدى عمرة الإسلام، وقد يقال باستحباب خروجه إلى خارج الحرم لأداء العمرة في الأوقات الفاضلة كرمضان؛ لقول النبي ﷺ: «عمرة في رمضان تعدل حجة» [البخاري بنحوه، برقم ١٨٦٣، ومسلم، برقم ٢٢٢ - (١٢٥٦) بنحوه أيضًا، ولفظ البخاري ومسلم: «فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي»]، ولكن يجب أن يراعى في حق النساء عنايتهن بالحجاب، والبعد عن أسباب الفتنة، وطوافهن من وراء الناس، وعدم مزاحمة الرجال على الحجر الأسود؛ فإن كُنَّ لا يتقيدن بهذه الأمور الشرعية، فينبغي عدم ذهابهن إلى العمرة؛ لأنه يترتب على اعتمارهن مفاسد تضرهن، وتضر المجتمع، وتربو على مصلحة أدائهن العمرة، إذا كن قد أدين عمرة الإسلام، واللَّه ﷾ أعلم» [مجموع فتاوى ابن بارز، ١٦/ ٣٦٢ - ٣٦٤].
وسئل شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ عَمَّنْ أخذ عمرة عن نفسه، ثم أراد أن يخرج إلى الحل؛ ليأخذ عمرة عمَّن يريد من أقاربه، فقال ﵀: «لا أعلم مانعًا شرعيًا من عمرتك لمن ترى من أقاربك بعد اعتمارك عن نفسك العمرة الواجبة، سواء كان ذلك في وقت الحج أو في غيره.
أما ميقات العمرة لمن كان داخل الحرم فهو الحلّ: كالتنعيم، والجعرانة، ونحوهما؛ لأن النبي ﷺ لما أمر عائشة بالاعتمار أمر عبد الرحمن أخاها أن يعمرها من خارج الحرم» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٤٤٠].
وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا عبد العزيز ابن باز عمَّن يريد أن يعتمر عن نفسه، فإذا فرغ من عمرته اعتمر عن والديه، وهما على قيد الحياة، ثم يعتمر عن والدي والديه، فهل هذه الطريقة صحيحة؟ فأجابته اللجنة: «إذا اعتمرت عن نفسك جاز لك أن تعتمر عن أمك، وأبيك إذا كانا عاجزين؛ لكبر سنٍّ، أو مرضٍ لا يرجى برؤه، كما يجوز لك أن تعتمر عن والدي والديك المتوفين» [مجموع فتاوى اللجنة للبحوث العلمية والإفتاء،
١١/ ٨٠ - ٨١، و١١/ ١٦٥، و١١/ ٣٣٣].
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن كَثْرَةَ الاعْتِمَارِ فِي رَمَضَانَ لِلْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ فيه ثَلاثُ مَسَائِل:
المسألة الأولى: الِاعْتِمَارُ فِي الْعَامِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ [مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٢٦٧].
المسألة الثانية: الإكثار من الاعتمار والموالاة بينها [مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٢٦٩].
المسألة الثالثة: كثرة الِاعْتِمَارُ للْمَكِّيِّ [مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٢٦٧، ٢٩٠].
* فأما الاعتمار في العام أكثر من مرة، فقال شيخ الإسلام ﵀: «فَأَمَّا كَثْرَةُ الِاعْتِمَارِ الْمَشْرُوعِ، كَاَلَّذِي يَقْدَمُ مِنْ دويرة أَهْلِهِ فَيَحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَ، وَهَذِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَهُمْ، فَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ عُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ ...»، [مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٢٦٧]، ثم ذكر ﵀ في هذه المسألة قولين لأهل العلم:
القول الأول: كَرِهَ طَائِفَةٌ من أهل العلم: أن يعتمر المسلم في العام أكثر من مرة، وذكر مِنْهُمْ: الْحَسَن، وَابْن سيرين، وقال: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النخعي: مَا كَانُوا يَعْتَمِرُونَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَمِرُونَ في السنة إلَّا مرَة وَاحِدَة، ولَمْ يَعْتَمِرُوا فِي عَامٍ مَرَّتَيْنِ، فَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فَعَلُوهُ كَالْإِحْرَامِ مِنْ فَوْقِ الْمِيقَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ في كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْم: أَنَّ «الْعُمْرَةَ هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ» [سنن الدارقطني، برقم ٢٢١، و٢٢٢، والبيهقي، ٤/ ٣٥٢، وتقدم تخريجه]، وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وَالْحَجُّ لَا يُشْرَعُ فِي الْعَامِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَذَلِكَ الْعُمْرَةُ. [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٦/ ٢٦٧].
القول الثاني: جواز العمرة في العام أكثر من مرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٢٦٨]: «وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: عَطَاءٌ، وطاوس، وَعِكْرِمَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ الصَّحَابَةِ كَعَلِيِّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةُ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اعْتَمَرَتْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عُمْرَتَهَا الَّتِي كَانَتْ مَعَ الْحَجَّةِ وَالْعُمْرَةَ الَّتِي اعْتَمَرَتْهَا مِنْ التَّنْعِيمِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ الَّتِي تَلِي أَيَّامَ مِنَى، وَهِيَ لَيْلَةُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ ... وَأَيْضًا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ» [البخاري، برقم ١٧٧٣، ومسلم، برقم ١٣٤٩]، ... وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ: رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا حَمَّمَ رَأْسُهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ، ... وقَالَ عَلِيٌّ: اعْتَمِر في الشَّهْرِ إنْ أَطَقْت مِرَارًا، ... قال شيخ الإسلام: «وَهَذِهِ - وَاللَّه أَعْلَمُ - هِيَ عُمْرَةُ الْمحَرّم؛ ِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ بِمَكَّةَ إلَى الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ يَعْتَمِرُونَ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْعُمْرَةَ مِنْ مَكَّةَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ مُرْسَلًا: عَنْ ابْنِ سيرين قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِأَهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ» [مصنف ابن أبي شيبة، ٤/ ٣٥٠]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْتَمِرُ إذَا أَمْكَنَ الْمُوسَى مِنْ رَأْسِهِ إنْ شَاءَ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: اعْتَمَرَ فِي الشَّهْرِ مِرَارًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ يَفُوتُ بِهِ كَوَقْتِ الْحَجِّ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُهَا مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الْعَامِ لَمْ تُشْبِهْ الْحَجَّ فِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مَرَّةً» [مجموع فتاوى ابن تيمية،
٢٦/ ٢٦٨ - ٢٦٩]. وهذه هي المسألة الأولى.
وأما الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فهِي الْإِكْثَارِ مِنْ الِاعْتِمَارِ وَالْمُوَالَاةِ بَيْنَهَا: مِثْلَ أَنْ يَعْتَمِرَ مَنْ يَكُونُ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِنْ الْحَرَمِ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ كُلَّ يَوْمَيْنِ، أَوْ يَعْتَمِرَ الْقَرِيبُ مِنْ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ يَوْمَانِ: فِي الشَّهْرِ خُمْسَ عُمَرٍ، أَوْ سِتَّ عُمَرٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ يَعْتَمِرَ مَنْ يَرَى الْعُمْرَةَ مِنْ مَكَّةَ كُلَّ يَوْمٍ عُمْرَةً، أَوْ عُمْرَتَيْنِ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ، بَلْ اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهِيَتِهِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ اسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد، فَلَيْسَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ أَصْلًا، إلَّا مُجَرَّدَ الْقِيَاسِ الْعَامِّ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا تَكْثِيرٌ لِلْعِبَادَاتِ، أَوْ التَّمَسُّكَ بالعمومات فِي فَضْلِ الْعُمْرَةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَاَلَّذِينَ رَخَّصُوا فِي أَكْثَرَ مِنْ عُمْرَةٍ فِي الْحَوْلِ، أَكْثَرُ مَا قَالُوا: يَعْتَمِرُ إذَا أَمْكَنَ الْمُوسَى مِنْ رَأْسِهِ، أَوْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. [مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠].
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، فهي كثرة الاعتمار للمكي، قال شيخ الإسلام ابن تيمة ﵀: «فَإِذَا كَانَ قَدْ تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ السُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ تُكْرَهُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ لِمَنْ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الَّذِي يُوَالِي بَيْنَ الْعُمَرِ مِنْ مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ، فَإِنَّهُ يَتَّفِقُ فِي ذَلِكَ مَحْذُورَانِ:
أَحَدُهُمَا: كَوْنُ الِاعْتِمَارِ مِنْ مَكَّةَ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ اخْتِيَارِ ذَلِكَ بَدَلَ الطَّوَافِ.
وَالثَّانِي: الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْعُمَرِ، وَهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ؛ بَلْ يَنْبَغِي كَرَاهَتُهُ مُطْلَقًا فِيمَا أَعْلَمُ لِمَنْ لَمْ يَعْتَضْ عَنْهُ بِالطَّوَافِ، وَهُوَ الْأَقْيَسُ، فَكَيْفَ بِمَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَعْتَاضَ عَنْهُ بِالطَّوَافِ، بِخِلَافِ كَثْرَةِ الطَّوَافِ؛ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مَأْمُورٌ بِهِ، لَا سِيَّمَا لِلْقَادِمِينَ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُمْ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ لَهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام مع فضيلة الصلاة بالمسجد الحرام» [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٦/ ٢٩٠]، [وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى،
٢٦/ ٢٦٢ - ٢٦٦].

1 / 592