مفتاح السعادة
قال عليه السلام : الجواب أن صفات الله انقسمت إلى قسمين: صفة الذات، وصفة الفعل، وانقسامها باعتبار معانيها، فإن صفة الذات هي الذات من غير اعتبار شيء آخر، يعني أنه لم يكن هناك شيء زائد على ذاته تعالى، وإنما سمي بها من حيث وجوده وحياته وقدرته ونحو ذلك، وصفة الفعل ما ثبت له تعالى من الصفات باعتبار التعلق بشيء آخر كالخالق، والرازق، والصمد، والمتفضل، فإنها باعتبار المخلوق والمرزوق ونحوهما، ولا يمتنع اتصافه تعالى بها في الأزل حقيقة كما هو اختيار الإمام القاسم بن محمد عادت بركاته ومن معه على معنى أنها حاصلة بالقوة وإن لم تحصل بالفعل، وكلا الأمرين حقيقة كما هو المعروف من الوضع العربي في مثل اسم الفاعل فإنه بمعنى الحال، أو الماضي، أوالاستقبال من باب المشترك، فحينئذ فالقرينة إذا نصبت فإنما هي لتمييز أحد المعاني عما سواه، وإن لم تنصب حمل على الإطلاق، وإن كان قد اختار الجمهور في خالق ما سيكون أنه مجاز لعدم حصول المعنى المشتق منه ولافتقاره إلى القرينة، فقد أجيب عنه بأن حصول المعنى المشتق منه ليس بشرط في الوضع، بل من الجائز الوضع باعتبار معنى مستقبل كتسمية السيف صارما أخذا من الصرم وهو القطع وإن لم يكن قد حصل، وفي القرينة أنها نصبت للتمييز بين معاني المشترك لا أنها قرينة المجاز، وثمرة الخلاف في كون الوصف قبل وجود المتعلق حقيقة أو مجازا أن من قال هو حقيقة لم يفتقر إلى السمع، ومن قال: هو مجاز افتقر إلى السمع؛ إذ لا يطلق على الله تعالى من الاسماء إلا ما كان حقيقة، أو ورد به إذن سمعي، والصحيح الأول، ومن هاهنا ارتفع إشكال ما يلزم من إيهام الذم، ويمكن التلفيق بين القولين بأنها إن كانت بالقوة فهي ثابتة في الأزل؛ لأنها بمعنى القدرة مثلا وهي من صفات الذات، وإن كانت بمعنى الفعل فهي ثابتة بعد أن لم تكن، وقد استوفينا كلامه عليه السلام لما اشتمل عليه من الفوائد، وقد استفدنا منه أنه يقول بجواز إطلاق صفات الفعل على الله تعالى في الأزل بالقوة، كما حكاه ابن أبي الحديد عن المتكلمين، وقرره الإمام محمد الفوطي عليه السلام إلا أنه شرط التعريف كما مر، وظاهر كلام الإمام القاسم بن محمد والمتكلمين عدم اشتراطه. والله أعلم.
قلت: ظاهر ما في الأساس وشرحه والغاية وشرحها أنه لا نزاع في جواز اشتقاق اسم الفاعل باعتبار ما سيوجد، وإنما الخلاف هل يكون ذلك حقيقة أم لا، وسيأتي الكلام في ذلك، وغرضنا هنا تحقيق جواز إطلاق صفات الفعل على الباري تعالى في الأزل باعتبار القدرة عليها، والتمكن منها إما حقيقة كما حققه الإمام محمد بن القاسم عليه السلام ، وإما مجازا، فقد ورد بها السمع ولم يقيد إطلاقها باعتبار أنه قد فعل أو أنه فاعل الآن، بل قرنها بصفات الذات، قال تعالى: {قل هو الله أحد، الله الصمد}[الإخلاص:2 ]فقرن الصمد بالأحد وهو تعالى متصف بالوحدانية في الأزل، فكذلك الصمد، والقرينة عقلية، ولو قيل: إنه متصف بالوحدانية أزلا دون الصمدية لكان في الكلام إلغاز، وتلبيس لا يجوز من الباري تعالى فعله.
إذا عرفت هذا وتبين لك الفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال على الجملة فنقول: قد اختلف في رب هل هو صفة ذات أم صفة فعل؟ فقال الإمام المهدي عليه السلام : قال أصحابنا: الرب صفة ذات أي مالك يقال: رب الدار أي مالكها، وإذا كان بمعنى المالك والمالك بمعنى القادر فهو صفة ذات.
قال (النجري): وحينئذ فتكون الربوبية ثابتة في الأزل؛ إذ المرجع بها إلى القادرية وليست بصفة فعل.
وقال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام : هو صفة ذات، لكن لا بمعنى قادر، بل باعتبار كون المربوب له تعالى وهو حقيقة عنده عليه السلام لما مر، وقال المرتضى، وأبو القاسم، البلخي واختاره الشرفي: بل هو صفة فعل، وهو ظاهر كلام الرازي وأبي السعود.
صفحة ٦١١