604

قلت: ما تقدم من رواية ابن أبي الحديد عن المتكلمين في مباحث استحقاقه تعالى للحمد يقضي بأنه يصح القول باستحقاقه تعالى لهذه الصفات في الأزل بالقوة، وقد أشار إلى هذا الإمام محمد بن علي الفوط عليه السلام في كتابه(البدر المنير) إلا أنه شرط أن يكون ذلك معرفا بالألف واللام، ونحن نأتي بكلامه عليه السلام على وجهه، فنقول: قال في الكتاب المذكور يقال: إن الله تعالى الخالق الأزلي، ولا يقال: خالق فيما لم يزل لإيهام اجتماع النقيضين من كون لفظ الخلق يقتضي حدوث المخلوق، وقولك خالق فيما لا يزل يقتضي التقدم من غير تحديد، فيؤدي إلى كون الشيء محدثا قديما، وذلك محال، ولأنه يوهم أن مع الله تعالى قديما غيره، وذلك محال، وكذلك صفات الله تعالى التي اتصف بها لأجل أفعاله تعالى فهو يوصف بها أزلية، باعتبار إمكان ما اتصف تعالى بها لأجله من حدوث ما سيكون من أفعاله تعالى فيقال: لا يزال الخالق الباري، المصور، المحمود الرب، الغفار، الشكور، الصمد، أي المتمكن من فعل هذه الأشياء، ولا يزال متمكنا منها عالما بكيفية فعلها، أو فعل ما يستحق تعالى منها لأجله كخلق ما يستحق عليه الشكر وإيجاده تعالى الحامد له تعالى من خلقه، ليس أنه تعالى لم يزل فاعلا للأفعال التي اتصف بهذه الأفعال لأجلها؛ لأن كونها مفعولة يوجب أنها كانت معدومة، وكونها لم يزل متصف بها على جهة وجودها يوجب كونها قديمة، وأصل الكلام للهادي عليه السلام وله فيه بحث بسيط حاصله أن هذه الصفات لا يصح وصف الباري تعالى بها في الأزل مجردة من الألف واللام، فلا يقال: لم يزل محسنا لما في ذلك من إيهام قدم المحسن إليه، بل يقال: لم يزل المحسن التواب، ووجهه والله أعلم أن الألف واللام في هذه الصفات بمعنى الذي، وهو عبارة عن الذات المتصفة بهذه الصفات المتجددة، ولذا قالوا: إن معنى الضارب الذي ضرب أي الذي فعل الضرب وأحدثه، فكذلك إذا قيل: لم يزل المحسن فمعناه لم يزل الذي أحسن، أي الذي فعل الإحسان وأوجده، أي لم تزل الذات التي فعلت الإحسان، بخلاف ما لو قيل: لم يزل متفضلا محسنا فإنه يوهم أنه على هذه الصفة في الأزل، وذلك يوهم قدم من وقع عليه الإحسان، إلا أنه عليه السلام ذكر أنه لا يقال: إنه كان غير تواب ونحوه لإيهامه الفضاضة وضد الإحسان، وكذلك يقال: لم يزل المحمود المشكور ولا تجرد من (أل) لما مر، ولا يقال: إنه كان غير محمود ولا مشكور لما فيه من إيهام الذم، وللإمام المهدي محمد بن القاسم الحوثي عليه السلام في هذا بحث مفيد لا بأس بإيراده، وذلك أنه سئل عن صفات الفعل كالمتفضل ونحوه، فقال السائل: إن قلنا إنه لم يزل متفضلا لزم قدم المتفضل عليه، وإن قلنا إنه كان غير متفضل، فهذا لفظ يوجب الذم، والظاهر أن السؤال مأخوذ من البحث الذي ذكره الهادي عليه السلام .

صفحة ٦٠٩