546

أحدهما: ذكره القرشي، وهو أن النهي لم يكن علة للقبح، بل كاشفا عن عدم الرضا، والدخول مع عدم الرضا ظلم؛ لأنه ضرر لا نفع فيه، ولا دفع، ولا استحقاق، وكونه ظلما هو الوجه في قبحه.

الثاني: ذكره الإمام عز الدين عليه السلام وهو أنه لم يقبح لمجرد نهي صاحب الدار، بل لأن الشارع نهى عن التصرف في ملكه بغير رضاه، ونهيه قد كشف عن عدم الرضا، فيكون ذلك مما نهى عنه الشرع.

قلت: وإنما رجح الإمام عليه السلام هذا الوجه على الأول؛ لأنه يقبح دخول الدار، وإن فرض عدم الضرر فيه.

واعلم أن لنا أصلا قد تقرر، وهو أن الله تعالى عدل حكيم لا يفعل شيئا من القبائح فما لم يظهر لنا وجه الحكمة فيه من أفعاله تعالى رددناه إلى هذا الأصل، وذلك كاف إذ لا نحتاج إلى معرفة وجه الحكمة على التفصيل، وقد ذكر نحو هذا القاسم بن إبراهيم، والسيد مانكديم، والمنصور بالله" وغيرهم من أصحابنا.

وأما الوجه التفصيلي وهو الجواب عن كل واحد من هذه الأمثلة على انفراده، واعلم أنها مما ينبغي إمعان النظر في تحقيق الجواب عنه، وذلك لا يكون إلا بذكر ما يتوقف صحة الجواب عليه من إثبات كونه تعالى حكيما، وأنه لا يفعل إلا لحكمة؛ لأن هذه الأمثلة وما شابهها قد يتسارع العقل في الظاهر، وبادي الرأي إلى إنكار مثل هذه الأفعال، واستشكال وجه الحكمة فيها، أما تكليف من علم منه الاستمرار علىالكفر فظاهر، وأما أصل التكليف فلما فيه من إلزام المشاق مع إمكان النفع، ودفع الضرر من دونه، ولما فيه من بعث دواعي القبيح، والصرف عن الواجب، وذلك قد يتخيل أنه كالإغراء بالقبيح وترك الواجب، إلى غير ذلك مما لا يتجلى إلا ببحث وتدقيق، ونحن نستعين بالله تعالى على حل هذه الشبه، ونأتي في إبطالها بما يتضح به الحق، ويزول عنده الشك بمعونة الله سبحانه.

إذا عرفت هذا فنقول: الجواب عن المثال الأول يكون في ثلاثة أبحاث:

صفحة ٥٤٩