مفتاح السعادة
وبعد فلو كان علة القبح النهي لما عرف القبح من لا يعرف الناهي والنهي، كالملحدة، ومن لا يعرف الشرائع كالبراهمة، والجاهلية؛ لأن العلم بالقبح يتفرع على معرفة وجه القبح جملة، أو تفصيلا، والمعلوم من حال هؤلاء أنهم يستقبحون الظلم والكذب، ويستحسنون ذم فاعلهما، وأنتم تعترفون بذلك، لأنكم قد أقررتم أن العقلاء يعدونهما صفة نقص، وقد قدمنا أنه لا معنى للنقص إلا كون الفاعل يستحق الاستخفاف، والذم أحد أنواع الاستخفاف، وأيضا لو أثر أمره ونهيه تعالى في القبح لأثر أمرنا ونهينا؛ لأن صيغ الأمر والنهي تتماثل، وهي العلة بزعمكم، والعلل في إيجاب الحكم لا تختلف باختلاف الفاعلين، ألا ترى أن الحركة لما كانت علة في كون الذات متحركة لم يفترق الحال بين أن تكون من قبلنا، أو من قبل الله تعالى، فكذلك هاهنا، والمعلوم خلافه، مع أنه يلزم لو كان لأمرنا ونهينا تأثير أن يكون الشيء الواحد حسنا وقبيحا دفعة واحدة بأن يأمر به شخص، وينهى عنه آخر، وفي هذا جمع بين المتناقضين.
فإن قيل: إنما أثر أمر الباري ونهيه لوجوب طاعته دوننا.
قيل: قد أجاب عن هذا القرشي، فقال: بالعقل علمتم وجوب طاعة الخالق، فقد أبطلتم مذهبكم في أن العقل لا يقضي بالوجوب، أم بالأمر، فيعود الإلزام لأنكم إنما نوزعتم في الفرق بين أمره وبين أمر عباده، فما لم تجعلوا الفرق عقليا فالإلزام باق، ولا ينقلب علينا هذا لأنا نجعل أمره تعالى دليلا على الوجوب لا مؤثرا فيه، وصح ذلك في أمره دون أمرنا؛ لأنه تعالى حكيم لا يأمر إلا بحسن، فلذلك لم يدل أمرنا على الوجوب، ولا نهينا على القبح.
فإن قيل: نحن نلتزم تأثير نهينا في القبح، فإن من نهى عن دخول داره أو نحوه، فإن الدخول يقبح، ولا علة له إلا النهي.
قيل: قد أجيب بوجهين:
صفحة ٥٤٨