544

أما الجملي فنقول: لو كان العلة في القبح النهي للزم إذا نهى الله عن عبادته، وعن العدل، والإنصاف أن تقبح هذه الأمور، ولعلهم يلتزمون قبحها لأنها لأجل النهي تنافر الطبع، وفي التزامه من الشناعة ما لا يخفى، ويلزم على علتهم هذه إبطال الشرائع؛ لأن معرفة الشرائع متوقفة على معرفة النبوة، ونحن لا نعرف النبوة إلا إذا علمنا أنا مأمورون منهيون، ولا طريق لنا إلى معرفة الأمر والنهي إلا من جهة النبي، وهذا محض الدور الذي يلزم منه عدم إمكان معرفة الشرائع؛ لأنه إذا لم يمكن العلم بالنبوة لم يمكن العلم بشيء مما يتوقف عليها، وهو معنى إبطال الشرائع، وأيضا لو قبح الفعل للنهي لكان يجب أن يحسن الحسن للأمر؛ لأنه نقيض القبيح، والواجب في النقيضين أن يكون مقتضي -بالكسر- كل واحد نقيض مقتضي الآخر، وهذا بالكسر أيضا، وإذا حسن الفعل لأجل الأمر وجب أن لا يحسن من الله حسن لفقد الأمر، كما أنه لا يقبح منه قبيح لفقد النهي.

ومن قال: إن أفعال الله غير حسنة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، فإن قيل: لا نسلم أن نقيض القبح الحسن، بل نقيضه لا قبح، وأما الحسن فهو ما لا يرد النهي عنه ممن له النهي وهو المالك، وعلى هذا فأفعال الله كلها حسنة، فلا يلزم ما ذكرتم.

قيل: لو كان الحسن ما ذكرتم لوجب حسن الظلم، والكذب قبل ورود الشرع؛ إذ لا نهي، وأنتم موافقون لنا في إثبات الحسن والقبح العقليين، وإنما خالفتم في تفسيرهما، وقد أوضحنا فيما مر أنه لا محيد لكم عن التفسير الذي ذكرناه، ولذا قلنا: إنكم موافقون لنا في المعنى، وقد بينا فيما مر أن من أنكر قبح الظلم ونحوه قبل ورود الشرع، ولم يفرق بينه وبين العدل، فإنه لا يستحق المناظرة.

صفحة ٥٤٧