543

المثال الثالث: أن الحكيم الغني المالك لما لا يحصى من أنواع الملاذ من المطاعم وغيرها، وهو لا يمنعها من كثير من الحيوانات، ولا ينقصها ما أخذته منها لو كان له عبد محتاج، فسأل سيده أن يعطيه من ذلك ما يسد فاقته، فقال: لا أعطيك حتى تنقل كل يوم حجرا من هذا الجبل إلى هذا الجبل، فقال: ألك في هذا نفع؟ قال: لا، ولكني أريد أن أجعل ما أعطيك عوضا عن هذا الفعل، فقال العبد: هذا يضرني، ولا ينفعك، وأنت قد تفضلت على غيري بأضعاف ما تعطيني، فقال: لا أعطيك حتى تفعل ما قلته، فإن المعلوم أن العقلاء يذمون هذا السيد، وينسبونه إلى العبث، والمعلوم أن الله تعالى قد كلف عباده بما لا نفع له فيه، ولا دفع ضرر عنه، بل هو ضرر محض على المكلفين، وقال: إنه لا يدخلهم الجنة حتى يؤدوا ما قد كلفهم مع أنواع المشاق، مع أنه قد تفضل بها على الأطفال والمجانين، ولم يقبح منه هذا التكليف.

المثال الرابع: أن من قتل رجلا له أطفال، فإنه يقبح منه، وكم يميت الله من الآباء الذين لهم من الأطفال ما تسكب لرحمتهم العبرات، وترق لرؤيتهم القلوب القاسية، ولم يقبح.

المثال الخامس: إن الله خلى بين عبيده يقتل بعضهم بعضا، ويأخذ ماله، ويزني بعضهم ببعض مع علمه وقدرته على التفريق بينهم، بل أمدهم بأموال ومنافع تهيج شهواتهم، وتشد من قواهم، ولم يقبح منه، ولو فعل مثله الواحد منا لقبح منه، قالوا: فلو كان القبح لأمر يرجع إلى ذات الفعل لما وقعت من الله تعالى؛ إذ ما كان ذاتيا فلا يختلف باختلاف الفاعلين، ولما وجدنا هذه الأفعال تقبح منا، ولا تقبح من الله تعالى تعين أنه لا وجه للفرق إلا كوننا منهيين بخلاف الباري تعالى، والجواب من وجهين: جملي، وتفصيلي.

صفحة ٥٤٦