مفتاح السعادة
المثال الأول: إن الله تعالى كلف من علم أنه سيكفر، ولو أنه تركهم كالبهائم يأكلون، ويشربون، ويتلذذون لكان أحسن عند العقلاء من تكليفهم بما يوجب مخالفتهم لأمره، والاعراض عن ذكره والثناء عليه، بل ربما يوجب سبه ومنازعته في ربوبيته، ألا ترى أنه لو كان في الشاهد حكيما يحب الثناء عليه والطاعة له، ويكره الذم والعصيان لأمره، وكان له عبيد يعلم من حالهم أنه إذا تركهم مهملين اشتغلوا بلذاتهم، ولم يتفرغوا للثناء على سيدهم، فإن إهمالهم لا يحسن ولا يقبح، ثم إنه إن كان يعلم من حالهم أنه إذا كلفهم بالثناء والطاعة خالفوه، وشتموه، ونسبوه إلى كل رذيلة، ثم كلفهم والحال هذه، فإن العقلاء يذمونه على هذا التكليف، ويشيرون عليه بتركه، ويقولون إن كنت تكره سماع القبيح فاتركهم مهملين، فإذا لم يقبل ما أشاروا به عليه نسبوه إلى السفه والجهل، فثبت أنه لا يقبح من الله ما يقبح من أحدنا.
المثال الثاني: أن الواحد منا لو قال لآخر: إني أريد أن أنفعك بتعلم الكتابة لتصل بها إلى منافع عظيمة، ودرجات رفيعة، ولا غرض لي إلا نفعك وصلاحك؛ إذ لا نفع لي إن فعلت، ولا ضرر علي إن تركت، فعليك بتعلمها، ثم إن المأمور لم يفعل شيئا، فأمر ذلك الآمر بحبسه، وضربه، وتحريقه بالنار لعدم امتثال أمره الذي قد عرضه لأجله على تلك المنافع، فإن كل عاقل يستقبح تعذيب الآمر للمأمور لعدم نفع نفسه، والله تعالى قد كلف عباده بالطاعة التي يتوصلون بها إلى النعيم الدائم، ثم أخبر أنهم إن لم ينفعوا أنفسهم عاقبهم أشد العقاب ولم يقبح منه.
صفحة ٥٤٥