مفتاح السعادة
قلت: وهو بحث نفيس، إلا أن ظاهر قوله إنه إنما يحكم بقبح ما أدرك العقل قبحه بضرورته إلى آخره يقتضي أن القبح يكون لا لعلة، وهو يناقض قوله فيما نقلناه عنه في تأويل كلام البغدادية من أن الفعل لا يقبح إلا لوقوعه على وجه مخصوص، ولو قرر كلامه هذا الباهر في عدم إدراك العقل قبح الكذب المتضمن لسلامة نبي بما ذكره الإمام المهدي عليه السلام من أن علة قبح الكذب الذي يعلم بضرورة العقل مركبة من إثبات، ونفي وأن ما عداه شرعي، لكان أولى ليسلم من إيهام المناقضة، ولا لوم عليه بموافقة إمام من أئمة الهدى.
الموضع الثالث: في شبه المخالف
وقد عرفت مما سبق أنهم متفقون على أنه لا يقبح من الله تعالى ما يقبح من غيره، ثم اختلفوا في علة ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول للأشعرية ومن وافقهم، وهو أن الفعل لا يقبح إلا لنهي الشارع والباري تعالى ليس بمنهي فلا يقبح منه ما يقبح من غيره، ولهم على ذلك شبه عقلية، وسمعية، أما العقلية فأحدها أنه قد وقع من الباري تعالى أفعالا لو وقعت من الواحد منا لأنكرها العقلاء، ولحكموا بقبحها وسفه فاعلها، ومع ذلك فهي مستحسنة من الله تعالى، فصح أنه لا يقبح من الله ما يقبح من غيره، وأنها إنما قبحت منا للنهي، وضربوا لذلك أمثلة:
صفحة ٥٤٤