540

يحكى عن بعض أهل البوادي أنهم يبيتون الضيف مع أزاوجهم ومحارمهم، ويقولون: هم إكرام الناس للضيف، فهؤلاء ضموا إلى إكرام الضيف هذه الخسة، وسموا المجموع بإكرام الضيف، والذي يفعل ذلك إنما يسمى ديوثا ونحوه، وإكرام الضيف إنما هو جزء فعلهم هذا، وهو إكرام الضيف فيما عدا هذه الخسة، ومع تناهي فعلهم هذا في القبح لا يخرج إكرام الضيف من كونه من أشرف الخصال، وأفضلها، ولا يكاد فعل يخلو عن مفسدة ولو مجرد المشقة، وفوات الدعة، ولا عن مصلحة ولو اللذة، وإطلاق عنان النفس فإنها ما منعت من شيء إلا اشتاقت إليه، ولكن يعتبر الأرجح، ويضمحل عنده المرجوح، وهذا يحتاج إلى معاودة التأمل، وعدم الاستعجال مع نقاوة غريزة، وذهن صاف سيال.

قال: فإن قلت هذا يخالف قولهم قبح الكذب لكونه كذبا، والظلم لكونه ظلما، والعلة موجودة بتمامها مع كل عارض مقدر في الكذب؛ لأن حقيقته مقررة لا تزول إلا بزواله بخلاف الظن.

قلت: إنما حكمنا بقبح ما أدرك العقل قبحه بضرورته، وأما تصيدكم العلة، ثم إلحاق ما لم تدركه الضرورة العقلية، فلا يفيد اليقين لعدم القطع بعدم الفارق، وإنما غايته الظن الذي الأصل منعه ما لم يدل على الاستغناء به دليل، فدعه {ولا تقف ما ليس لك به علم }[الإسراء:36]، {إن الظن لا يغني من الحق }[النجم:شيئا28] {إن بعض الظن إثم }[الحجرات:12 ]فما يؤمننا أن يكون هذا منه، وما لم تلجئنا الضرروة العقلية فلا علينا أن نكل أمره إلى خبر الشرع، ونذعن له بالطاعة والسمع، فكل ما لم تضطرنا إليه الضرورة العقيلة، فنحن فيه سمعية، يقال: وهذا أوسط الأمرين بين تفريط الأشاعرة، وإفراط المعتزلة.

صفحة ٥٤٣