525

قيل: القبح حكم اعتباري يقتضيه كون الفعل إذا وقع وقع كذبا، أو نحوه، وذلك لا يختلف، وإذا غير لفظ قام زيد فقد خرج عن كونه لفظا إذا وقع وقع خبرا، وإذا لم يقع خبرا لم يكن كذبا فإن قيل: لو قبح الكذب لكونه كذبا لقبح ولو تضمن سلامة نبي من القتل، والمعلوم حسنه حينئذ، بل وجوبه، فبطل كون العلة ما ذكرتم.

قيل: قد ثبت بدوران الحكم وهو القبح على هذه الوجوه التي ذكرنا من الكذب ونحوه أنها هي العلل الموجبة للقبح، إلا أن منها ما هو ضروري كالظلم والكذب الذي لا منفعة فيه، ومنها ما هو نظري كالكذب الذي فيه منفعة، فإنه يعلم قبحه بالرد إلى ما لا منفعة فيه.

إذا عرفت هذا فنقول: لا نسلم حسن الكذب في هذه الصورة مع إمكان التعريض، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ))، والتعريض ممكن في كلام ظاهره الكذب، وما قيل: من أنه يلزم أن لا نقطع بكذب خبر قط حتى لا يحسن ذم أحد على الكذب لاحتمال التعريض، فمدفوع بأنه قد يظهر من القرائن المفيدة لكون المراد من الخبر ظاهره ما يحصل عنده العلم الضروري أنه لم يقصد بالخبر خلاف ظاهره.

واعلم أنا لو قدرنا عدم تمكن المخبر من التعريض لخجل أو نحوه، فلأصحابنا في جواب هذا السؤال وجوه:

أحدها: أن الكذب لم يخرج عن القبح إلا أنه عرضه أقبح منه، وهو هلاك النبي فرجح ارتكاب الكذب لكون قبحه أهون.

الثاني: أنه في حكم الملجأ إلى الكذب لما يجد من نفسه من الخوف على النبي، فيكون كمن سبقه لسانه إلى كلام من غير قصد إفادة المخاطب.

الثالث: ذكره الإمام المهدي عليه السلام ، وهو أن قبح الكذب الذي فيه منفعة إنما هو بالشرع؛ لأن العلة في قبح الكذب الذي يعلم بضرورة العقل قبحه مركبة من إثبات ونفي، وهي كونه كذبا لا نفع فيه، ولا دفع ضرر.

صفحة ٥٢٨