524

قال عليه السلام : وعليه يحمل كلام أصحابنا أن القبح تابع لحدوث الفعل؛ إذ لو بقيناه على ظاهره لزم أن لا يعلم فاعل القبيح أنه ليس له أن يفعله قبل إيقاعه، فإن قيل: قبح الكذب إما لذات الحروف لزم قبح النطق بها، وإن كانت صدقا، أو لكونه غير مطابق للواقع فهو نفي، فكيف يؤثر في ثبوتي وهو القبح، أو لمجموعهما لزم أن يكون بعض المؤثر في الثبوتي نفيا، أو لأمر رابع، فإما لازم لمخالفته الخبر فلا بد من مؤثر فيعود التقسيم، وإما غير لازم فيلزم صحة كونه كذبا، ولا يقبح لعدم المؤثر في قبحه.

قيل: نختار أن المؤثر في قبحه كونه غير مطابق لدوران الحكم معه وجودا وعدما، وهي علة ثبوتيه لأن معناها كونه كذبا سلمنا كونها نفيا فلا يضر عند الجمهور لصحة تعليل الضرب بانتفاء الامتثال، والمعتبر تعقل كون أحد الأمرين علة في الآخر، ولا شك أن كون العلة في قبح الكذب ما ذكرنا أمر معقول، فإن قيل: لو كان علة قبح الكذب كونه كذبا لما حسن أحد الكذبين في قولك: لأكذبن غدا؛ إذ يلزم إما حسن الكذب غدا ليصدق قولك لأكذبن غدا، أو حسن تركه فيلزم كذب هذا الخبر، وإذا حسن الملزوم حسن اللازم.

قيل: لا يخلو هذا القائل إما أن يخبر عن عزمه على الكذب غدا، أو عن الحقيقة أعني أنه سيقع منه الكذب لا محالة، إن كان الأول فهو صادق، وإنما عرض له ما يقتضي تغيير العزم، وإن كان الثاني فالأحسن ترك الكذب الآخر، ولا نسلم أنه يستلزم حسن الكذب الأول، بل هو باق على قبحه، لا يقال: فترك الكذب غدا يلزم قبحه لاستلزامه القبيح، وهو كذب الخبر الأول؛ لأنا نقول استلزام الترك لقبح الخبر الأول لا يوجب قبح الترك؛ إذ ليس إلا كاشفا عن كذب الأول، والكاشف عن الكذب ليس بقبيح، فإن قيل: لو كان القبيح وصفا حقيقيا لما اختلف بالوضع، والمعلوم اختلافه بالوضع، فإنا لو قدرنا أن لفظ قام زيد وضع لغير الخبر به، فإنه يحسن النطق به وإن لم يكن زيد قائما.

صفحة ٥٢٧