509

قال الإمام (أحمد بن سليمان) عليه السلام في تحقيق معنى هذه الحجة: الدليل على أنه تعالى منزه عن هذه الصفات التي توجب النقص من طريق العقل أنه قد ثبت أن الله تعالى عالم لنفسه قادر حكيم غني، وثبت أن العالم القادر الحكيم الغني لا يفعل القبيح ولا يرضاه ولا يأمر به، والعقل يشهد أن فعل القبيح قبيح، وأن من أمر به أو رضي بفعله يكون كمن فعل القبيح، ثم قال عليه السلام : فإذا كان فعل القبيح يقبح بالعبد الجاهل المحتاج الضعيف، فكيف لا يقبح من العالم الحكيم القادر، فوجب أن يكون القديم تعالى منزها متعاليا عن فعل القبيح؛ لأنه تعالى عالم بقبح القبيح، ولأنه غير محتاج إليه لا لجر نفع إليه، ولا لدفع ضرر عنه تعالى، ولا لسخف رأي ولا لطمع فيما ليس له، ولا لمشورة مضل أو جاهل، فلما كان منزها عن فعل القبيح وكان الظلم، والجور، والكذب، وخلف الوعد، والوعيد، وفعل الفواحش وجميع المنكرات قبيحا، والرضى بذلك، والأمر به صح أن الله تعالى لا يفعل شيئا من ذلك، ولا يرضى به، ولا يأمر به، ولو فعل ذلك لدخل عليه من النقص والذم أكثر مما يدخل على العبد لأنه عالم لذاته قادر لذاته، والعبد جاهل محتاج، فكان ذم العبد أقل لجهله وحاجته، ألا ترى أن العالم الغني من الناس إذا فعل قبيحا كان ذمه عند الناس ولومه أكثر من ذم الجاهل الفقير إذا فعل مثل ما فعل العالم.

قال عليه السلام : فصح أن الله تعالى لا يفعل جورا، ولا ظلما، ولا يجبر الخلق على فعل، ولا يكلف أحدا فوق طاقته، ولا يفعل قبيحا، ولايريده، ولا يحبه، ولا يرضاه، ولا يأمر به، ولا يكذب، ولا يخلف وعدا، ولا وعيدا.

صفحة ٥١٢