508

قلت: وقد استدل بهذا الدليل على التقرير الذي قرره الإمام يحيى عليه السلام من فقد الداعي أبو الهذيل، وأبو إسحاق ابن عياش، وأورده الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام بنحو ما ذكره أبو الحسين، ولفظه: والعقل يحكم ويشهد على أنه لا يفعل القبيح إلا من جهل قبحه، أو احتاج إلى فعل القبيح لشهوة داعية، أو غضب مؤذ، أو طمع فيما لا يجوز، أو سفاهة أو سخف رأي، أو استماع مشورة مضل أو جاهل، فمن كان فيه بعض هذه الصفات لم يؤمن منه فعل القبيح، أو الرضا به، أو الأمر به.

قلت: وإذا لم يفعل القبيح إلا لأحد هذه الأسباب، فالمعلوم استحالتها على الباري تعالى فثبت أنه لا يفعل القبيح. والحمد لله.

الحجة الثانية: أنه تعالى قد تمدح بنفي الظلم عن نفسه، فلو فعله لم يكن للتمدح بنفيه عن نفسه وجه، وفي هذه الحجة رد على المجبرة أيضا لأنه إذا كان وقوعه منه لا يوجب القبح كان كالعدل سواء، والعدل لا يحسن التمدح بنفيه.

الحجة الثالثة: أن العقول مفطورة على تنزيه من اختص بصفة كمال على الجواز، فكيف من اختص بصفات الكمال على الوجوب.

الحجة الرابعة: أن الله تعالى عالم بقبح القبيح وغني عنه وعالم بغناه عنه، وإذا كان كذلك فإنه لا يفعل القبيح قياسا على الشاهد، فإن المعلوم ضرورة في الشاهد أن من كان عالما بقبح القبيح، وغنيا عن فعله، وعالما باستغنائه فإنه لا يفعله، ولا علة لكونه لا يفعله إلا اجتماع هذه الأوصاف.

صفحة ٥١١