625

وفي أواخر ذي القعدة من هذه السنة، خرج ناظر الخاص يوسف بن كاتب جكم إلى الخانكة لعرض الغنم التي جاءته من بلاد الشام للضحية السلطانية، أخبر أنه أرسل في شأنها خمسة عشر الف دينار، فرجع وهو منحط البدن، ولم يبال بذلك ولا انقطع عن الركوب إلا من يوم الاثنين خامس عشر ذي الحجة هذا، ثم كان كل ليلة يخرج إلى أصحابه المعتاد بالاجتماع معهم في حوشه للحديث والأنس بهم كل ليلة بعد المغرب إلى مضي قطعة من الليل، إلا ليلة الأربعاء وليلة الخميس، فتواتر عليه القيء، فمات في أواخر ليلة الخميس ثامن عشر ذي الحجة المذكور، فأصبح صهره إبراهيم بن الجيعان وأخوه علم الدين فأخذا أولاده، وطلعا إلى السلطان، فأخبراه بذلك، فاشتد أسفه عليه وهو لعمري معذور في ذلك؛ فإنه كان من عجائب الأرض، كان لا يدهم السلطان أمر إلا خففه عنه، ولا يحتاج شيئا إلا أسعفه به، كائنا ما كان، نقل أنه وصل إلى السلطان منه، من أول ولايته إلى هذا التاريخ، نحو ألفي ألف دينار، وعمر له تربته التي بالصحراء خارج باب النصر، وهي لا مثل لها بالقاهرة والحوش الذي أمامها والربع الذي بين القصرين، وغير ذلك، وكان لا يعمر أحد من الأمراء والجند والأكابر من غيرهم في مصر شيئا إلا كان كثير من أخشابه وغيرها منه، ولا يسافر أحد إلا وكان كثير من جهازه منه، وجهز ابن السلطان وأمه خوند الكبرى وابنتيها امرأتي دويداريه، وجمعهم الذي يعسر ضبطه إلى الحج بهيئة ما سمع في هذا الزمان بمثلها، ولاقتهم إقامته، من الأوز والدجاج، وما يلائم ذلك إلى بطن مر أرسل ذلك في سنبوك في البحر، ثم كان في كل مرحلة أو مرحلتين يلقاهم شيء من ألطافه، وكان مع ذلك كله ليست له مظالم فاحشة خارجة عن العرف كما يفعل غيره، وكان لا يزداد على طول المراجعة إلا بشاشة وتبسما، وكان يفصل الأمور المهمة المتشعبة بأدنى شيء، وهو مع لطفه وبشاشته في غاية المهابة، بحيث انه معدود لذلك في عتاه الجبارين، يجلس أكابر من الجند في دست مجلسه الذي يقضي في الأشغال، في دور القاعة، وقليل منهم من يجلس في الإيوان الذي هو به، وله من الصدقات ما يقضي منه العجب، من الخبز والأطعمة التي تنقل إلى الحبوس والمحاويج من غيرهم في القرافة والمدينة، والنقود، وغالب ذلك سر، حكي: أن الخبز عشرة آلاف رغيف في كل يوم.

ومن يوم موته صار المحابيس يخرجون من السجن ويقعد بهم في السوق، ينادون: الحبس، والجوع، يا أهل الخير، ولم يكونوا في أواخر أيامه يفعلون ذلك، وحكيت ذلك لبعض الرؤساء لعله يتشبه به في ذلك فما اكترث.

وله من الآثار في تمهيد الطرق الصعبة، كطريق القدس والخليل، والخانات المحتاج إليها كخان أسدود، والخطارة وغير ذلك شيء كثير.

صفحة ٣٩٣