Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
ولا يذكر أحد في مجلسه بسوء لمجرد الغيبة أصلا ولو أنه أعدى أعدائه، ولا يلتفت إلى من يتكلم فيه ويؤذيه ممن لا يقارنه أصلا، ولا يظهر أنه سمع عنه شيئا، وهو مع ذلك ينصفه إذا لقيه ويقضي أشغاله، بحيث يجد في نفسه الأمن منه نفسه، ومن أن يمكن منه عدوا بباطل، ويتحمل كثيرا من أقرانه، غير أنه إذا تحقق من أحدهم عدم الرجوع مال عليه ميلة يتحدث بها وتكون عبرة للمعتبر، وتستمر صولتها في القلوب دهرا من أن يذكر ذلك، أو يكترث به، ثم لا يدعه يرفع له رأسا أبدا، وإذا كسره، يصير هو يرفده ولا يقطع نواله عنه، وهو من أذكى بني آدم وأقرائهم للخطوط، وإن كانت معجرفة بفتح المطالعة الطويلة، فيلمحها لمحة واحدة، لعلها تكون أقل من ربع درجة بمشاهدتي ثم يطويها، ويكلم حاملها فيها.
ولما قدمت من عمارة خان الفندق، أعطيته المحضر الذي كتبته بعمارته، بحضرة السلطان، فقرأه (ولم يتأمله) قراءة حسنة، لم يتلعثم فيها وكان بعض أصحابي من نواب القضاة قد رآه، فقرأه مرتين، فأقسم بالله، أن قراءة ناظر الخاص له أول مرة، أحسن من قراءة ذاك في المرة الثانية.
وكان يجلس بحضرة السلطان الملك الأشرف إينال، وله عنده من العظمة ما لا مزيد عليه، بحيث أنه لا يقضي لأحد شغلا إلا بواسطته، لا من الترك، ولا من غيرهم، فكان كل الناس إلى بابه.
مع أنه كان معظما عند الظاهر، على أنه كان يود لو أهلكه، وكان يريد عزله فلا يقدر؛ لكثرة أعوانه من الجند وغيرهم؛ ولأنه لا يجد له زلة تقتضي ذلك.
وأوصافه لعمري كثيرة في الدهاء، مع من يداهيه، والعشرة الحسنة لمن يعامله بمثلها، وأحسن ما فيه أن مجلسه سالم من الغيبة، وأنه لا تستخفه النميمة ولا يقبل الباطل من أحد، وأن عدوه الذي لا يقارنه منه في أمان، وأما القتل فلا يعرج على قصده، ما أذاه أحد أبو الخير النحاس، ولما كسره كان يتفقده بالإحسان في طرطوس وبعدها، وكان قادرا على قتله بأهون سعي، وكان شديد التخوف منه، ولم يقتله.
صفحة ٣٩٤