560

أأحبابنا أوصيت من لكم ألفى

يحييكم مهمار أي وجهكم ألفا ألا غنني ما خنت والله عهدكم

وكيف ومثلي يا خليلي من وفى أبا الفضل إن الفضل سار بسيركم

وأورث شمس العلم بينكم الكسفا وعاد ظلاما أفق مصر واوحشت

محاسنه يا لهف نفسي يا لهفا برغمي والله العظيم رحيلكم

وما مل جفني الدمع فيك وما جفا رعى الله أياما تقضت بقربكم

فلم تبق لي إلا التذكر والوصفا رتعت بفهمي في رياض دروسكم

زمانا فأنستني المؤانس والإلفا أشبهها البحر الخضم فبعضنا

تغرقه والبعض توسعه لطفا وكالدر تلفى عند قوم قلائدا

وتصدف عن قوم بجملتها صدفا تصم معانيها مسامع معشر

وتضحي لأسماع جواهرها شنفا فكم زهر علم قد نشقت عبيره

بها وثمار قد أجدت لها قطفا وكم سرحت أفكارنا في تنائف

مهامه فيح تورث الخوف والضعفا فجالت بها ألبابنا وتأنست

بأفكاركم حتى غدت تسبق الطرفا وما دق معنى أو ألمت ملمة

وإن أعضلت إلا كشفتها كشفا أفضت على تلك الدروس سحائبا

من الدمع ما حاكى السحاب لها وكفا لقد عزبت عنا المعارف إثركم

وأنكرت الأفكار بعدكم العرفا على أم دفر غضبة الله إنها

مقطعة حبل التواصل والزلفى وقفت على تلك المعاهد بعدكم

أسائلها عنكم ما نطقت حرفا بلى نطق الحال الذي هد خاطري

وشب بقلبي لاعجا جل أن يطفى فقال قضى ريب الزمان ببعدهم

واسقال صرف الدهر بينهم صرفا فعدت ولم أملك سوابق عبرة

تفيض وزفرات أبى داؤها يشفى بلى إنني أشفى بطيب لقاكم

وهل تلحق الأدواء من درع اللطفا ألا أيها البين المشتت شملنا

إلى كم تعادينا تسير بنا عسفا وتبلغ أقواما أقاصي مرادهم

وهم كالحمير الطالبات لها وكفا إلى الله أشكو فهو يفصل بيننا

فتبلى بما أبلى ومن وصبي أعفى ثم وصل الخبر أنه وصل إلى الطور، ثم خبر آخر أنه وصل إلى جدة، ثم لم يلبث أن شرع الناس في قال وقيل بسببه، فبعض يقول رؤي في منوف متنكرا، وآخر في فوه، وآخر في دمياط، وآخر في الصعيد في بلاد ابن عمر، واختلفوا في الأسباب، فكنت أكذب جميع ذلك، لكني أنكر حقا الخبر من جهة مكة، فلا يأتي قادم منها إلا سألناه، فيقول: لا علم لي به، ثم أتاني خبر صحيح، أنه كان في الخانكة في شوال سنة اثنين وستين، بعد ذهاب الحاج بيسير، فاكترى إلى الطور، وركب البحر، ثم جاء الخبر مع الحجاج أنه لقيهم في ينبع، فاكترى معهم وحج، وأرسل كتابا مع بشير الحاج كما سيأتي، وذكر فيه اختلافهم في الوقفة، ثم أتى كتابه يقول ما نصه: «أما بعد، فإني كتبته غليكم من منى، وقد من الله تعالى بلوغ المنا، بحضور المشاعر لأداء المناسك، والمرجو من الله تعالى القبول، ولولا جمل اعتراضية عاقت فيما مضى عن التعهد بموالاة الرسائل ما أبطأت المكاتبة عنكم إلى هذا الحين، ولكنه كان ما جرا أني لما فصلت من القاهرة المحروسة في السنة الحالية، أعني سنة إحدى وستين، وصلت إلى الطور، ثم سافرت في البحر إلى جدة، ثم أكريت إلى مكة المشرفة، واتفق أن لقينا هناك رجل ظاهر الخير والديانة ممن يعتقد الناس خيره، وأنا منهم، فسألته إبلاغ كتبي إليكم خصوصا، وإلى سائر الأصحاب عمومان فأجاب إلى ذلك، فشرعت في كتابة الكتب، فتغفلني وأنا غير متحذر منه أصلا، فاختلس لي كتبا صغيرة الجرم، نفيسة العلم، جليلة الخطر، وضمنها نفعة جليلة، وحان مني تفقد بعد انصرافه، فوجدت أعز ما عندي قد ذهب به على وجه تحققت أنه المختلس لذلك لا غيره، فالتمسته فوجدته سافر في الحال، فسافرت في طلبه متتبعا له، وحكايتنا طويلة، نذكر تفصيلها مشافهة إن شاء الله تعالى، حاصلها بإيجاز: أني ظفرت به، بعد تعب طويل، وأخذت منه جميع الكتب، لم يضع منها شيء، والنفقة الجليلة، إلا بضعة عشر دينارا، ذكر انه تصرف فيها، وأظهر [التوبة] والندم، وسأل بالله تعالى العفو عنه لوجه الله تعالى، ومسامحته في الدنيا والآخرة وستره بين الناس؛ فعفوت عنه لوجه الله تعالى، وعاهدته على ستره لله تعالى، ووفيت له بذلك، ورجوت من الله تعالى أن يعاملني على تقصيري بمثل ذلك. فكان الشغل بهذا الحادث عائقا عن معاهدتكم بالمكاتبة». انتهى.

صفحة ٣١٧