513

فلما أصبح صباح الاثنين، ثامن عشره، ألبس السلطان ابنه خلعة بإمرة الحاج في هذا العام، فنزل إلى بيته الذي في المدينة، وهو ملاصق لسكن أبيه، لما كان أتابك العساكر، وهو بالكبش من الصليبة، فنزل المباشرون يشيعونه، وتخلف ناظر الخاص في القلعة لبعض شغله، فلما وصل إلى أواخر الرميلة من نحو الصليبة، صاح به الناس، وشتموه، فرد إليهم بعض مماليكه ليردهم فخشن لهم، فرجموه، فرجع، فوصلوا الرجم وساقوه قدامهم. واجتمع بالصليبة من العامة ما لا يحصى فدخل إلى بيت ابن السلطان سابقا بفرسهن فلم يكد يفلت، وأسمع من الشتم بالنسبة إلى أنه نصراني، وأن أمه كذلك، وغير ذلك من الظلم والطغيان والخيانة للمسلمين ما لا يوصف، فلم يمر عليه يوم مثله، وقيل: إن كانوا يريدون الحق فلينادوا بأن من كان عنده من المغشوشة شيء أتى به إلى ناظر الخاص وأخذ وزنه من الخالص؛ لأنه هو الذي أفسد المعاملة، وأذن في ضربها على الغش في جميع البلاد، حتى أن البدر الأذرعي الملقب بضفدع، وهو أحد من ولاه ناظر الخاص، النظر على دار الضرب بدمشق، أخبر عن أحمد بن ريحانة، أحد المعلمين الذين أقامهم ناظر الخاص بها، أنه أضاف إلى الفضة في دولة هذا السلطان ثمانية عشر قنطارا شامية نحاسا، كل ذلك بمواطأة ناظر الخاص، وقد أتى إليه كتاب الشيخ شمس الدين بن الشماع، شيخ الصوفية، والعلماء والرؤساء بحلب، على يد الشيخ محمد النقاش، أحد رجال دار الضرب بحلب، يشكوا إليه ما اطلعوا عليه وتحققوه من الغش ممن إليه امر دار الضرب بحلب، واستمر مقيما بالقاهرة شهورا، يشكو إليه ذلك، فلم يلتفت إليه، ولا أعاد لابن الشماع جوابا، فعرف أن ذلك كله منه.

ولما شاع أمر ابن ريحانة عزل، فقدم إلى القاهرة، فاستمر شهورا يسعى، فلم يجب، وكان ناظر الخاص أكبر القائمين عليه فيما يظهر، ثم أمر الأمير بردبك الدويدار الثاني من جهة خوند أن يرسل إلى ناظر الخاص يخبره بشفاعتها في ابن ريحانة، فأحضره وأراد أن يرسل معه إليه، فقال: أنا أذهب بنفسي، فذهب بنفسه، فأجابه، فعلم كل أحد أنها من دسائس ناظر الخاص؛ فإن ابن ريحانة، لا يجسر على أن يكون فيما يتعلق به وهو كاره، ولو أن ذلك من عند خوند ولا مدخل فيه، لأرسلت إليه امرأة، أو أحضرت أمه فأمرتها أن تأمره بذلك، وما جعلت الدويدار واسطة إلا ليكون الأمر أشيع فيتخلص ناظر الخاص وتنتفي عنه التهمة، فأبلغ ناظر الخاص أن الناس تكلموا بذلك، فحلف أنه لا مدخل له فيه، والعلم عند الله تعالى.

صفحة ٢٥٧