Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
وفي أواخر هذا الشهر سار ركب الحجاج المغاربة من القاهرة راجعين إلى بلادهم، وذهب معهم ابن أبي قصيبة، الذي نسب نفسه إلى الإمام الغزالي، ومعه أخوهن فطلب مني الشريف علي القصيري، الذي كان توجه في العام الماضي على هدية السلطان إلى سلطان المغرب، أن أكتب على لسانه إليه أعرفه بحالهما، فكتب بعد البسملة: «إلى مولنا أمير المؤمنين أدام الله تأييده، ونصره، وتسديده، من العبد الشريف أعظم المحبين وأكبر الداعين، سلام عليك ورحمة الله وبركاته، أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وبعد: فإن العبد والله مقيم على ما يعهد منه، من عظيم المودة، وصافي المحبة، وطيب الثناء، وصالح الدعاء والاعتراف بالرق لمولانا والولاء، وكيف لا! والعبد منغمس في إحسانه، مغمور بصدقاته وعظيم امتنانه، أثقل كاهله بأفضله، وطوقه أيادي يعجز عن شكرها في بكره وآصاله، والله ما نسمت ريح، ولا ركدت إلا وذكرك في سري وإعلاني، هذا وإن من أعظم الموجبات لتسطير هذه العبودية، النصيحة لمولانا أمير المؤمنين أعظم الله ملكه في الدنيا، وجعله موصولا بعز الآخرة، إذ كان يجب على كل مسلم النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فكيف إذا كان المسلم يتقلب في إحسان الإمام على مر الأيام، وقد رأى منه من الإكرام ما زاد على المرام، وتلك النصيحة هي أن شخصين من المارقين من أهل مصر من قرية تسمى سنباط، يقال لهما ابنا أبي قصيبة، وقد كان أحدهما وقع في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما أقل جزائه ضرب العنق، فسجن في سجن الشرع نحو سنة، ثم أطلق، فاشتدت اللائمة على القاضي الذي كانت الدعوى عنده، وهو الشيخ شمس الدين البساطي، بسبب إطلاقه، فهرب المذكور فغابا مدة في ناحية البلاد الشمالية، ثم رجعا إلى حلب، فجعل أكبرهما على وجهه برقعا، وادعى أنه الشيخ عبد الدائم، ثم يشير إلى شخص من كبار المعتقدين في بلاد الصعيد، فصدقه بعض مشائخ حلب تحسينا للظن به، وشرع يتولى خدمته بنفسه، ثم أنكروا بعض أحواله، فقال شخص من السفارة، أرونيه، فلما رآه عرفه، فأقبل عليه يشتمه، وشرع هو يقول: الستر الستر، ثم رحل من حلب إلى دمشق، فبرقع وجهه أيضا وادعى أنه سبط الإمام، حجة الإسلام الغزالي، وكان معه بعض الكتب الغريبة، أظنه للإمام العلامة شاطبي الزمان، شمس الدين بن الجزري، نزيل بلاد الروم، ثم العجم، فادعاه لنفسه، وهو مشتمل على بعض فضيلة يروجها بكثرة كلامه، وذلاقة لسانه، فصدقه بعض الرؤساء في دمشق، فمشى عنده سوقه مدة، ثم بان عواره، ووقف حماره، فقدم إلى مصر وقد نسيه غالب الناس؛ بطول غيبته، وتغير هيئتهن وتبدل اسمه، ثم لم يقنع بالكذب في النسبة إلى الغزالي حتى أثبت على بعض متهافتي القضاة أنه من الذرية الطاهرة، وذلك من أفرى الفرى، وأعظم الزور والبهتان كما وقع لذلك الشاذلي الذي قدم من الغرب، قيل سنة أربعين، وكتب بكذبه مولانا أمير المؤمنين أبو فارس سقى الله ثراه، وجعل جنة الخلد مثواه، ونفعنا ببركاته وجمعنا به في أعلى جناته، هذا ما اطلع عليه العبد من حاله، وما خفي أعظم، ولما لم ينفق سوقه، ولم ينجح طريقه عزم على القدوم على مولانا أمير المؤمنين، أعظم الله شأنه، وأعز سلطانه، فرأى العبد من الواجب عليه في الدين والمروءة إعلام مولانا بحاله؛ لئلا يمشي عليه شيء من محاله، كما مشى على بعض الرؤساء المصريين حال عيسى الغندور، فوصله بغالب الرؤساء، حتى السلطان، ثم كشف زيفه بعض صلحاء العلماء، حتى ظهر خلله وبان حوله إلا على أكمة لا يبصر القمران فوضعه ذلك، غير أن لزوم الغلط ممن كانوا يعظمونه لم يمكن من معاملته بجميع ما يستحق، والله تعالى متولي السرائر، ومظهر خفيات الضمائر، وهو المسؤول أن يصلح بمنه بمولانا البلاد والعباد، ويمحق بسطوته أهل الفساد، ويجعل سلطانه باقيا على مر الآباد آمين».
صفحة ٢٥٠