Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
وفي يوم الاثنين سابع عشري الشهر، قبض الأمير بردبك على القاضي نور الدين الششيني الحنبلي، وأرسله إلى نقيب الجيش، ليطلع يوم الثلاثاء إلى السلطان، فيضربه وينكل به بالسجن وغيره؛ وذلك أن الششيني المذكور كان لما مات البدر بن البغدادي قاضي الحنابلة بمصر سعى فيما كان بيده من تدريس الفقه المنسوب إلى أم الصالح في قبة المنصور، فأجابه الأمير، وكان قد أخذ ما كان بيد المذكور من الأنظار، ثم قيل إن جاريته حامل، فأخذ القاضي ناظر الخاص التدريس بحملها إن كان ذكرا بيكتب من السلطان، وجعل القاضي نور الدين بن الرزاز المتبولي نائبا عنه إلى حين تبينه وكان المتبولي أسن حنابلة القاهرة، وأفقههم، فتبين أن الحمل بنت، فلم يجسر الششيني أن ينازع المتبولي، فاستمر يباشر الدرس المذكور ويأخذ معلومة إلى أن كان محرم هذه السنة، فأحس من نفسه ضعفا فانقطع منه في بيته، فنزل لإبني ابنه عن نصف التدريس، وللعز أحمد بن نصر الله قاضي الحنابلة عن النصف الآخر، فاجتمع الششيني بالأمير بردبك برسالة القاضي ناظر الخاص، قبل إمضاء النزول، وأعلمه بالأمر وبما كان تقدم له من الولاية منه، وبأن ابني الابن ليس أحد منهما بأهل، فولاه النصف المسمى لهما، وخدمه على ذلك بمال، فسمع العز، فشق ذلك عليه، فساعد ابني الابن، وتعصب معه بعض من له وظائف وولد لا يصلح لها، يريدون سد الذريعة في أخذ أحد وظيفة صارت إلى ولد من والدن ولو كان جاهلا فقوي أمرهما، وطلب الششيني إلى القضاة وأوذي بالكلام والتضييق عند الشافعي، ثم نقل إلى المالكي، فأثبت أهلية أكبر الولدين، فطلب من الششيني أن يعطهم مستنده، وكان قد حكم له الحنفي بصحة ولايته، فامتنع، فرفع إلى الأمير، فشدد عليه، فحضره بعض الفقهاء فرده عنه بأن فتح له الدخول في ذلك، وأشار عليه بأن يردهم إلى القضاء، فإن عملوا معه قبيحا لم يكن على الأمير منه شيء، وإن كان غير ذلك كان مشكورا عليه، فقبل، ثم أغراه بعض المتعصبين لأولئك من وسائط السوء، حتى أقدم على اذاه، فلما قبض عليه، وصار في بيت نقيب الجيش، شق ذلك على الناس ورقوا له رقة شديدة.
فاجتمع كاتب السر المحب بن الأشقر بالأمير بردبك، وشفع فيه، وأرسل ناظر الخاص رسالته فأطلقه، وذمه الناس على ذلك ولا قوة إلا بالله.
وفي أواخر شهر صفر هذا ورد الخبر من حلب أن القتل وقع بين أهلها، فأهل بانقوسا يقتلون من الحوارنة، وكذا أهل باب المقام وأهل باحشيثا، وبالعكس، وكلما قتلى قتيل أكل النائب من القاتلين ما يرضيه، ولم ينفذ فيهم حكما، فيقتل أهل القتيل من أولئك، فيفعل النائب كذلك، فخربت البلد لذلك، ولم يبق لأحد ثقة بما له، ولا دمه.
صفحة ٢٤٦