503

وكان في ليلة الخميس تاسع صفر هذا قد أطلع على أبي بكر بن علي الفاوي الجوهري بفاحشة مع صبي في الزقاق الذي أنا ساكن به، وكان المذكور مشهورا بالفساد، فأعلمني النجم عمر بن الشهاب أحمد بن زين الدين الحلبي الشافعي، موقع الأمير بردبك الدويدار وقبض على الصبي فأقر بأنه أخذه للفساد، فأحضر من أعوان الوالي جماعة فهرب أبو بكر، ونزل أبوه من بيته وجلس على بعض الدكاكين المواجهة لمدرسة جمال الدين، وشرع يخوض في عرضي، وكنت أنا والنجم في مسجدي فلم نسمع كلامه، ثم أعلمت بذلك، فسألت بعض من حضره، فشهدوا عليه بما سمعوه من كلامه، فغذا بعضه استخفاف بي يلزم منه الكفر، وبعضه استخفاف بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام يوجب ضرب العنق عند المالكية، والتعزيز الشديد عند غيرهم، وبعضه استخفاف بنفس الدين، فاستفتي الحنفية فيما وقع به في، فأفتوا بالتعزير الشديد، من الضرب والإشهار، والسجن، ليرتدع أمثاله عن التكلم في اهل العلم؛ لتعلوا كلمة الله باحترام حملة الدين وعلماء المسلمين، فطلب إلى قاضي الحنفية بالديار المصرية سعد الدين سعد بن الديري الحنفي، وكان خيرة القضاة إذ ذاك وأشيخهم وأعلمهم، فادعي عليه بذلك بين يديه، في منزله، في المدرسة المؤيدية بباب زويلة، وأقيمت البينة، فأرسل المذكور إلى عزيز مصر ناظر الخاص الجمال يوسف بن كاتب جكم، فاستغاث به، فأرسل نحو عشرين من أعوانه واحدا بعد واحد، ما بين طواشي، ودويدار، وبرددار، وغير ذلك، يطلب من القاضي إرسالنا إليه، فقال القاضي: حصلت الدعوى، وأقيمت البينة، وصار الحق للمدعي، لا يسعني أن أسلمه، ولا آمره، فإن أرضيتموه توجه معكم غير مشقوق عليه، فشرعوا في التلطف بي وفي أمر علي الفاوي بتقبيل يدي ورأسي، ففعل ذلك غير مرة، وطالت شفاعتهم فيه، فقلت: أما وهو ساكن عندنا، فلا، فأمره جميع من حضر بالنقلة فامتثل وأمهل خمسة عشر يوما، ثم ذهبنا إلى بيت ناظر الخاص، فلما كنت بباب المدرسة قال الفاوي لمن أوصل إلى قاضي القضاة: أنه إن ذهب قبل بت الصلح بيني وبينه إلى ناظر الخاص، لا يكفيه منه أقل من ألف دينار، فسألت في الرجوع إلى قاضي القضاة، فرجعتن واجتهدوا في أن انحل عما قمنا عليه، فلم أفعل، ثم ذهبنا إلى ناظر لخاص، فأعلمناه بالأمر، فلامه على ما وقع منه، وأعان الله بأن اعترف عنده ببعض شتمه لي، واستحسن نقلته وأكدها، فباتوا ينقلون أمتعتهم تلك الليلة والتي تليها، ثم شاع في اليوم الثالث أنهم رشوا ناظر الخاص بألف دينار، ثم جاءت رسالة من السلطان إلي مع علي [مهتار] الطشدارية يأمرني بالكف عن الفاوي، أو النقلة من تلك الحارة، فأعلمت الأمير بردبك بذلك، فأشار بطلوعي إلى السلطان، فطلعت إليه ظانا أن الرسول كاذب، فلما اجتمعت بالسلطان علمت أن الرسول صادق، وصار يحاولني على نقلتي، فدار بيني وبينه كلام طويل في ذلك، وفتحت له ذلك من وجوه، منها قدم صحبتي، وتحدث الناس بأنه مال على صاحبه القديم، ومنها بأنه أخرج عالما بجاهل، ومنها بأنه أخرج مصلحا لمفسد، فانحل في آخر المجلس، وشرع يتكلم بكلام لين وهو يبتسم، وكان آخر ما فارقته عليه أن المفسد يخرج. ثم جاءني في اليوم الثاني وهو يوم الأحد سادس عشري الشهر رسول يدعوني إلى بيت الأمير بردبك، فذهبت فغذا الفاوي هناك وعلي بن خصبك صهر السلطان، وغذا هو والأمير يشفعان عندي في الفاوي أن أسكت عن نقلته، فقلت: أشتهي أن من حضر هذا المجلس لا يتكلم بكلمة حتى يستحضر أنه واقف بين يدي الله تعالى ويتأمل كلامه، فإن علم أنه يمشي في ذلك المقام قاله، وإلا سكت، قال الأمير بردبك: فتكلم أنت. فقلت: الحق ليس لي حتى أتركه، الحق لله، فإن هذا مفسد لا تحل الشفاعة فيه ما لم يتب، ويجب على كل منكم أن يساعد على ذلك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده تدعونه، فلا يستجيب لكم». وقال صلى الله عليه وسلم: «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم قوما، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم». وقال الله تعالى:{وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا}[النساء:9]. وما منكم أحد إلا وله ذرية أو عيال، فإن هون في عيال الناس سلط الله عليه في عياله وذريته. فقال ابن خصبك: هل ثبت عندك قضيته مع هذا الصبي. فقلت: نرفع قضية الصبي كأنها لم تكن، ونسألك عنه، ناشدتك الله هل تعلم أنه مفسد أم لا؟ فقال: أعلم أنه كان مفسدا عظيم الفساد، ثم كف الآن عنه. فقلت: الشق الأول من كلامك مثبت فهو مقبول، والثاني ناف وشهادة النفي في مثله مردودة.

فقال: تاب. فقلت: الذي يقبل التوبة في الحال هو الله تعالى؛ لأنه

يعلم ما تكن الضمائر، وأما العباد فلا يقبلونها إلا بعد الاستبراء، فقالوا: الشاب ينتقل، والمشفوع فيه أبوه، فقلت: أنتم تشفعون أم تأمرون، فقال الأمير بردبك: بل نشفع، فقلت: إن كنتم تشفعون فإني لا أقبل، وإن كنتم تأمرون فسمعا وطاعة، فإن طاعة الأمير من الله، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير، وإن جلد الظهر وأخذ المال.فقال: بل نشفع نيابة عن السلطان، وهذا أمر لا بد منه. فقلت: هذا حينئذ أمر في صورة شفاعة، فالسمع والطاعة، وأقل الأمور أن تكتبوا على ابنه التزاما أنه لا يدخل ذلك الزقاق. فقالوا: بل نلزمه من غير كتابة، فحاولتهم على الكتابة فعجزت. فقلت: افعلوا حينئذ ما شئتم، فطلبوا الفاوي، فحضر، فأمروه أن يقبل يدي، ففعل وكرر ذلك، وقال الأمير، وابن خصبك: نحن الذين أذنبنا، ونسأل فضلك أن تهبنا هذا الذنب، فلم ازد على السكوت وإيهام الرضى.

فلما رآني لا أقبل عليه، ولا أفعل شيئا مما يسره قال لهم: سلوه هل

صفحة ٢٤٣