453

ونادى السلطان للناس بالزينة، والأمان والاطمئنان، ووصلت أنا من السفر ليلة الثلاثاء حادي عشر شهر رجب المذكور، وكانت تربة السلطان التي بناها بالصحراء في ناحية تربة برقوق، ثم حددها وحسنها القاضي ناظر الخاص الجمال يوسف بن كاتب جكم قد تمت وصارت هيئة خانقاه بخلاوي، واجتهد في تحسينها وأنفق عليها أموالا جزيلة، وكان السلطان قد أخذ ربع الكامل الذي تجاه جامع الأقمر فهده، وشرع في تجديده من نحو ثلاثة أشهر، وكان المباشر له على ذلك ناظر الخاص، فأراد النزول لنظر التربة والربع المذكور، فأشاعوا أن الركوب عليه يكون عند نزوله، فنزل صبح يوم الخميس ثالث عشر الشهر من الصحراء، فنظر التربة، وأقام بها ساعة، ثم ركب، ومر من قدام جامع الأقمر فرأى ما جدد من الربع، وكان في موكب عظيم، تحدث الشيوخ أنهم ما رأوا لأستاذه برقوق مثله، ولا لأحد بعده، وكان ناظر الخاص حين وصوله إلى الربع مقارنا له، يحدثه عنه، وجميع الأكابر قدامهما، فلما جاوزا الربع، تقدم ناظر الخاص، فاكتنفه الأمير تنبك، وأمير سلاح خش قدم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فلم يكن الموكب في الحقيقة إلا له. وأجلس قاصد الروم في مدرسة برقوق لرؤية ذلك، وقاصد الغرب في مدرسة الأشرف، وكان من الأيام المشهورة، ورجع معافى، وقد حصل بنزوله ذلك هيبة وعز للمسلمين، وقمع للمفسدين، وألبس السلطان القاضي ناظر الخاص خلعة عظيمة في طرازها ألف مثقال ذهبا، وأركبه فرسا عظيما وأكرمه إكراما عظيما.

وفي هذا الحد، عزل الشهاب التلمساني قاضي المالكية بدمشق، وولي الزين عبد الرحمن السويدي، وعزل العلاء بن السابق من كتابة السر بدمشق وأعيد القطب الخيضري.

ومن أول شهر رجب رتب الأمير بردبك قارئا يقرأ صحيح البخاري في مجلسه، على كرسي، وأحضر جماعة من أهل العلم للسماع والبحث؛ فجدد سنة الأمراء التي كانت في أواسط القرن الثامن ، والله تعالى المسؤول في إعزاز الدين، وإعلاء أئمة المسلمين آمين.

صفحة ١٨٦