443

وفي صبح يوم الاثنين العشرين منه، عثر الأمير بردبك الدويدار صهر السلطان بطرف البساط المفروش بالقصر الكبير، وكان يزرر طوق جبته فوقع؛ فانفكت يده من المرفق فحصل له وهم فأغمي عليه، فحمل إلى باب القلعة، ثم أركب فرسه وعضده مماليكه حتى وصل إلى بيته فردت يده وعاده الناس، وتردد إليه الأكابر والأعيان، وكان الدويدار يونس صهر السلطان مريضا، وكان السلطان قد رسم بطلوع رسول ابن عثمان يوم الثلاثاء حادي عشري الشهر، فطلع والدويداران منقطعان، فقدم هديته، وكتاب ابن عثمان، فإذا هو كتاب مسجوع سجعا أكثر فيه من الجناس حتى صار ثقيلا، ركيكا، باردا لا يستحق أكثره أن يثبت في تاريخ، على أن الخبير ببلاد الروم أخبرني: أنه ليس إنشاء المنشي وإنما هو تلفيق مما كان من كلام غيره، فهو حسن، فإذا ضمه إلى كلامه اختل في الربط والمعنى، وحاصله مع إصلاحي لبعض ألفاظه وروابطه بعد حمد الله والصلاة على رسوله، والترضي عن الصحابة، أن قال: «زين الله سماء الجلال بكواكب مواكب المعيني المغيثي (ومر في دعاء للسلطان وثناء عليه) إلى أن قال: ينهي إلى المقام الشريف والموقف المنيف أنه إن استكشف عن أحوال محبة المخلص وحبه المتخصص، وعن أوضاع المجاهدين لارتفاع راية الدية فإننا (ثم وصف نفسه بعظم الرغبة في الجهاد، على عادة أسلافه) ثم قال: ومن الأحوال الواقعة في حولنا هذا أن متملك مملكة لاز المسمى تبوركي ما فتئ يظهر لنا الصداقة، ويؤكد مع شياطينه العلاقة (ثم وصفه بقوة المكر وعظم الكيد) ثم قال: فلما عايناه سدا على بني الأصفر عليهم الموت الأحمر نبذناه، وتوجهنا تلقاء مدائنهم ليصطاد ليوثنا في عرائنهم، ونزلنا ذراهم، وسرنا على قراهم ببوش عظيم، وهوش بريم كرياح مشتدة الهبوب، ونيران مشتطة الألهوب، تشرح السنة أسنتهم في جدالة المجادلة متون الطحون، وتفتح أيدي سيوفهم من عيون الدروع دموع دما كالعيون، فتفرقوا ثلاث فرق راكبين طبقا عن طبق، هربت فرقة برئيسهم إلى أقصى بلاد إبليسهم، كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، ورضيت فرقة بأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وتشبثت فرقة بأذيال شامخات بقاع لا يلين لواحد عريكتها، وتحصنت بقلل راسخات قلاع لا ينقاد لقاصد قرونتها، ومن جملتها القلعة المسماة بنو بردى التي هي أحصن القلاع، وأصعب البقاع، فهجمنا عليها كقطع الليل ودفع السيل، وأمطرنا عليهم حجارة، وأخذناهم بغتة بالنهب والإغارة، ففتحناها في ثلاثة أيام، ونصبنا عليها أعلام الإسلام، وارتحلنا منها إلى القلعة المسماة بتريجة، ذات سور زلت عن موازاتها أجنحة النسور، علت ببنيان مرصوص على قنن الأخاشب حتى عرجت عن عروج بروجها أقدام السحائب التي لم يسكنها غير كافر، ولم يطأه للإسلام خف ولا حافر، ونزلنا بساحتهم وقت الصباح فساء صباح المنذرين، وفتحناها قبل طلوع الشمس بعناية رب العالمين وجعلنا عاليها سافلها، فأصبحوا في ديارهم جاثمين.

صفحة ١٧٣