430

جعل الله تبارك وتعالى الخطاب للفائدة والإفهام، وليعلم المأمور غرض الآمر ومراد المخاطب. والحكيم تعالى لا يخاطب بما لا فائدة فيه، ولا يأمر إلا بما يفهم عنه، ألا ترى أنه غير جائز أن يأمر أحدا بالقعود وهو يريد منه القيام؟ لأنه إنما يأمر ليمتثل أمره، فإذا لم يبين مراده لم يمكن (¬1) أن يمتثل أمره، ولا أن يعتقد طاعته فيما كلفه إياه. وإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يتأخر البيان عن وقت الخطاب، وتمام فصل الكلام؛ /187/ لأن تأخيره يوجب اعتقاد غير ما ظهر؛ لأنه إذا خاطب بظاهر الإطلاق والعموم وهو يريد التقييد والخصوص، ثم لم يقرنه بدلالة تبين عنه أنه قد ألزم عباده أن يعتقدوا خلاف ما أراد منهم... (¬2) . وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

فالخطاب إذا ورد فلعمومه صيغة، كما أن للخصوص صيغة، وللأمر صيغة، وللنهي صيغة، ولكل وجه من وجوه الخطاب صيغة يعرف بها حكمه، وتدل المخاطب به على معناه. ولم يجهل ذلك أو شيئا منه أحد من أهل اللسان، والمعرفة من أهل اللغة والبيان. غير أن العرب لسعة لغتها، وكثرة معاني كلامها تعبر عن الخصوص بلفظ العموم، وعن العموم بلفظ الخصوص، وعن الحقيقة بلفظ المجاز، وعن المجاز بلفظ الحقيقة، وهذا معروف بينهم ومنسوب عنهم، وعليه أدلة موضوعة من مقدمة الكلام وصلته بالإشارة المعهودة عندهم، وعلى ما يتعارفونه بينهم، فما فرق (¬3) به الدليل نقل عن موضعه وصيغته، على هذا النحو جرت المخاطبة من الله تعالى في محكم كتابه، خاطبهم باللسان العربي المبين.

صفحة ٤٣٤