448

أما القياس الأول فلأنه بالحقيقة ليس بقياس لأن أجزاء الحد بينة بنفسها للمحدود. وإذا كان حصل ذاته في الوهم مجملا وكانت الحاجة إلى تحديده، فإن أجزاء ذلك المجمل تكون بينة للمجمل فلا يحتاج إلى بيان. فإن طن ظان أنه يحتاج إلى بيان، فليس بيانها رفع سائر الأقسام، فإن إثباتها أبين من رفع سائر الأقسام أو مساو له في الخفاء : فإن الناطق أبين للإنسان - إذا عرف ما الناطق - من انه ليس غير ناطق. والاستثناء يحتاج إلى أن يكون أبين من النتيجة، ليس مثلها أو أخفى منها. وأما في القياس الثاني فلم يعمل أيضا شيئا : وذلك لأن طلبنا أن الحيوان الناطق المائت حد للإنسان، وطلبنا أن الحيوان الناطق المائت قول مفصل مساو للإنسان دال على ماهيته، غير مختلفين في الخفاء والوضوح. فلو كنا نعرف أن الحيوان الناطق المائت قول مفصل مساو للإنسان دال على ماهيته، لما كنا نطلب حد للإنسان البتة. بل إنما نطلب هذا القول المفصل الذي هو بهذه الحال. فإذن كما لا نسلم أن هذا حد للإنسان، كذلك لا نسلم أنه قول بهذه الحال. تسليم ما يجعل حدا، وأخذنا القول بهذه الحال حدا أوسط هو مصادرة من وجه على المطلوب الأول بالقوة دون الفعل. أعني أن توسيط حد الشيء حدا في القياس ربما لا يكون في مواضع أخرى مصادرة على المطلوب الأول إذا كان التفصيل أشهر من الإجمال. وأما في هذا الموضع، فالتفصيل هو المطلوب وهو الخفي. فإذا ليس توسيط حد الشيء مصادرة على المطلوب الأول، فهذا ليس مصادرة بالفعل. لكن لما كانت قوة هذا التوسيط في الموضع الذي نحن فيه كقوة توسيط الحد الأكبر، فهو مصادرة على المطلوب الأول بالقوة في ذلك الموضع.

على أنه قد أخذ منه حد الحد بلا واسطة، كما أخذ " الحي الناطق المائت " أمرا موجودا للإنسان مساويا له بلا قياس - وهو المطلوب. فمن أين بان حد الحد للحد؟ ثم هاهنا شيء آخر ، وهو أن صاحب الصناعة يجب أن يكون عنده قانون في معرفة الحد الصحيح والحد الغير الصحيح، كمل يجب أن يكون عنده قانون في معرفة القياس الصحيح والقياس الغير الصحيح. وكما أنه لا يجب أن يكون القياس قياسا ومع ذلك يبرهن أنه قاس وأن القول الذي نظمه هو على القانون القياسي، وأنه منتج إلا مع المناكدين المغالطين الجاهلين بقوانين القياس، فكذلك المحدد يجب أن يحد على ذلك القانون ولا يستعمل فيه ذلك القانون بالفعل.

وبالجملة كما أن القياس يقيس فقط ولا يقيس على أنه قاس بان يقول وكل قول من شأنه كذا وكذا فهو قياس، كذلك المحدد يجب أن يحد فقط ولا يحد الحد بان يقول كل قول هو كذا وكذا فهو حد. بل يجب أن يكون قد علم ما القياس وما الحد أولا.

وكما أن الذي ينكر أن كذا وكذا إذا ورد عليه شيء على انه برهان ويكلف أن يدل على انه برهان بان له حد البرهان، يكون له أن يقول : لو سلمت أن هذا حد البرهان، أو أنه إن كان حد البرهان فهو موجود لهذا القول، لكنت أسلم أن هذا القول برهان : فإذا لست أسلم أن هذا برهان، فكيف أسلم أن لهذا القول حد البرهان؛ كذلك حال من ينكر الحد فإن له أن يقول : إني لو سلمت أن هذا هو حد الحد، أو أنه وإن كان حد الحد فهو موجود لهذا الشيء، لكنت أسلم أنه حد، وأنه لذلك الشيء حد.

وبالجملة فإن الحد على مائية الشيء والبرهان على إنية الشيء للشيء، وإنية الشيء غريب عن مائيته خارج عنها لا يبعد في مثلها أن يجهل للشيء كما علمت فيطلب بالبرهان.

الفصل الثالث في أن الحد لا يقتنص أيضا بالقسمة والاستقراء وتأكيد القول في هذه الأبواب وفي مناسبة بعض البراهين مع الحدود وتنبيه بعض البراهين على الحدود

وليس لقائل أن يقول إن حد الشيء مستنبط بالقياس الشرطي من حد ضده، لأن حده ضد حد ضده، فمثلا إنا إذا علمنا أن حد الشر هو الأمر المشت الغير المنتظم، علمنا أن حد الخير هو المر الملتئم المنتظم بان نقول هكذا : إن كان حد الشر أنه هو الأمر المتشتت الغير المنتظم، فحد الخير هو أنه المر الملتئم المنتظم، ثم نستثنى، لكن حد الشر كذا، فإذن حد الخير كذا، فإن الجواب عن هذا على وجوه أربعة : أولها : أنه لم يمكن هذا القياس أن يعطي حدا بقياس حتى اخذ حدا باقتضاب ووضع من غير قياس، فأشبه من وجه صاحب القسمة وصاحب الاستقراء، إذ كل واحد منهما يأخذ المطلوب بوجه ما مصادرة، ويضعه وضعا ويظن أنه بينه بقياس ضروري. وإن كان هذا إنما صادر على نقيض مطلوبه : لأنه طلب أن يبين الحد بقياس فأخذ الحد بلا قياس.

صفحہ 5