المنطق
المنطق
فقد بان أن الحد الأوسط في القياس المنتج للحد لا يكون خاصة ولا فصلا ولا رسما، بل إن كان ولابد، فيجب أن يكون حدا آخر. أما أن الحد الحقيقي للشيء الواحد لا يكون إلا واحدا فذلك يظهر إذا عرفنا م الحد الحقيقي، وعرفنا أنه مساو لذات الشيء من وجهين : أحدهما من جهة الحمل والانعكاس، والثاني من جهة استيفاء كل معنى ذاتي داخل في ماهيته حتى يساويه ويكون صورة معقولة مساوية لصورته الموجودة. ومعلوم أن مثل هذا الحد لا يكون للذات الواحدة إلا واحدا. ولو كان له حد ثان يشتمل على صفات ذاتية خارجة عن اشتمال الحد الأول، لما كان الأول حدا مساويا لمعنى ذات الشيء، ولا حدا حقيقيا بالجملة. لكنهم كثيرا ما لم يستقصوا هذا الشرط واقتصروا على جنس وفصول مميزة، حتى إذا حصل التمييز وقفوا، وإن كانت هناك معان ذاتية أخرى يحتاج إليها حتى يتم الحد الحقيقي. فمثل هذا الحد قد يجوز أني يكون للشيء منه اثنان : مثلا أن يحد الإنسان تارة بأنه حيوان ذو رجلين مشاء، وأخرى بأن الإنسان حيوان ناطق مائت. وأن النفس عدد محرك بذاتها، وأيضا مبدأ للحياة بذاتها. وأن الغضب غليان دم القلب. وأيضا شهوة حركة الانتقام، وما أشبه ذلك. فإذا جعل واحد من هذين الحدين حدا أوسط والآخر حدا أكبر، كان تأليفا ما قياسيا. إلا أنه يعرض منه شيئان : أحدهما أن المكتسب بالحقيقة لا يكون حدا تاما، بل حدا ناقصا وجزء حد تام. والثاني أن هذا الأوسط لا يخلو من أن يكون حمله على الأصغر حملا اشترط فيه أنه حده، والأكبر كذلك في حمله عليه؛ أو يكون الحمل في أحدهما حملا فقط، ولم يقل إنه حد لما حمل عليه. فإن قيل مثلا إن أ حد لب، ب حد لج فأحد لج لأن حد الحد حد، فقد خرج عن صواب التعريف من وجوه. وذلك لأن كون ب حدا لج موضوع وضعا ومقتضب اقتضابا من غير قياس. وكان الشرط في التحديد بعد انكشاف الجنس عند هذا المنازع ألا يكون إلا بقياس. وأما ألا يكون ب فقد صح أولا أنه حد لج بقياس آخر. وأما أن يكون التحديد ليس طريقه الإنتاج بقياس، لكن لا يجوز أن يكون استبانة ذلك معولا فيها على قياس، وإلا لاحتيج إلى حد ثالث يكون متوسطا، وكان لا يزال يكون بين كل حدين حد، فيكون للشيء حدود بغير نهاية، إذ لا يجوز أن يكون الحد بين ب ، ج هو أ ، فإن هذا دور. وقد بان أن ذلك ينتهي إلى أوساط لا أوساط لها، فتكون حدودا غير مكتسبة، وهذا خلاف ما يذهبون إليه.
فقد بان أن أخذ الأوسط حدا للأصغر، وأخذ الأكبر حدا للأوسط، يكون قد اقتضب اقتضابا فقط. وأيضا فإن الطلب واحد : أنه هل هذا الشيء حد الشيء أو حد لحده؟ ولا يتبين أنه حد لحده أو يكون بينا أنه حد للشيء. فهذا أيضا نحو آخر قد خرج فيه عن صواب التعريف، إذ وضع أن أ حد لحد ج، والمشكوك فيه أنه هل أ حد لج. هذا إذا كان وضع أن أ حد لب ، ب حد لج. وأما إذا لم يوضع ب حدا لج، فلا يدرى هل حده حد لج أم لا. لكن يقال إن حده محمول على ج، كما أن حد الفصل والجنس والخاصة محمول على النوع وليس حدا للنوع.
ولا يفيد هذا القياس الحد إذا لم يوضع أن أ حد لب : فإنه ليس إذا علم أن أ موجود لحد ب، يجب أن يكون هو حد ب : فليس كل لازم ومحمول ذاتي حدا.
وإن قيل في آخر الأمر كالمستنبط من وجه هذا البيان، إن أ حد لج، فيكون شيئا قد وضع وضعا من غير أن ينتجه قياس. على أن من وسط الحد للحد فقد صادر على المطلوب الأول وهو لا يشعر : كمن يقول إن النفس عدد محرك لذاته - لو كان هذا حدا - ثم يقول وكل ما هو عدد محرك لذاته فهو استكمال جسم طبيعي آلي. وليس يعني به أن يبرهن على الحمل والوضع فقط، بل أن يبرهن على أن الأكبر حد للأصغر، فيكون كأنه يقول : والشيء الذي ماهيته وحقيقته وحده أنه عدد محرك لذاته، حده وحقيقته أنه استكمال جسم طبيعي آلي. وهذا الشيء هو نفس المطلوب حده. فلو كان بينا أن الشيء الذي حده أنه عدد محرك لذاته، المعلوم بالفعل أنه النفس لا غير، الذي هو المطلوب، حده هو استكمال لجسم طبيعي، لما كان يطلب هذا.
وليس هذا كما يكون عندما يكون الأوسط غير حد للأصغر، لأن هناك لا يكون نفس الأوسط وحقيقته، بل شيء آخر يحمل هو عليه. وأما المحدود فهو نفس الشيء الذي له الحد.
صفحہ 3